السؤال:

مارأي الدين في قراءة القرآن بالألحان ،وأن تخضع القراءة لأوزان الشعر ،والأوزان الموسيقية ؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:
هذه المسألة مما ثار فيها الجدل ،والأقرب للصواب فيها أنه يجوز التغني والتطريب في أداء القرآن،على ألا يخل ذلك بالمعنى،مع مراعاة أحكام التجويد،وعدم التصنع في القراءة،والابتعاد عن الأوزان الشعر والأغاني الحديثة ،والتي تخل بما وضع له القرآن

يقول الدكتور عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر:

يثُور التساؤل كثيرًا عن حكم الترنُّم بقراءة القرآن الكريم، والتطريب به على أوزان الألحان الموضوعة للأغاني، والنغَمات المُحدَثة المرَكَّبة على الأوزان المُستَمَدَّة من قانون الموسيقى، وذلك بعد ابتلائنا بمجموعة من قرَّاء القرآن الكريم يُراعون في قراءتهم له هذه النغَمات على حساب قواعد الترتيل المعروفة.

وليس ثَمَّةَ خلاف بين العلماء على استحباب تحسين الصوت وترقيقه بقراءة القرآن، مع ترتيله وتنغيمه وترنيمه على الوجه المشروع، بحيث لا يَخرُج بالقراءة عن شرط الأداء المُعتَبَر عند أهل العلم بالقراءات، يدل لهذا: ما رُوِيَ عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “زيِّنوا القرآنَ بأصواتكم”، وما رُوِي عن أبي هريرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “ما أَذِن الله لشيء ما أَذِن لنبيٍّ حسَنِ الصوت بالقرآن يَجهَر به” أي أن الحق سبحانه لا يستمع لشيء مثل استماعه لنبيٍّ إذا قرأ القرآن حسَّن صوتَه به، مع تحزينه وترقيقه، واستماع الله ـ تعالى ـ لمَن يُحسن صوته بالقراءة يُراد به إكرام القارئ، وإجزال ثوابه، وما رُوِي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له: “لو رأيتُني وأنا أستَمِع لقراءتك البارحةَ، لقد أُوتِيتَ مزمارًا من مزامير آل داود”، وفي رواية أخرى بزيادة قول أبي موسى: “أَمَا والله لو علمتُ أنكَ تسمع قراءتي لحبَّرتها لك تحبيرًا” والتحبير: هو التحسين والتزيين.

كما أنه لا خلاف بين العلماء على حُرمة قراءة القرآن بالألحان، إذا أفرط القارئ بها في المدِّ والتمطيط، وإشباع الحركات، بحيث يجعل من الضمة واوًا، ومن الفتحة ألفًا، ومن الكسرة ياءً، أو أخفى حرفًا، أو أخرجه من غير مخرَجِه الصحيح، أو ترتَّب على القراءة بالألحان تغيير المعنى بكثرة الترجيعات، أو إخراج لفظ القرآن عن صنعته، بإدخال حركات فيه، أو إخراج حركات منه يَقصِد بها قرن الكلام وانتظام اللحن، أو مدَّ المقصور، أو قصر الممدود، أو إدغام ما لا يجوز إدغامه.

وأنه لا خلاف بين العلماء كذلك على حُرْمة سماع مثل هذه القراءة، وقد قال بعض فقهاء الشافعية: إنه يجب على ولي الأمر زجر أمثال هؤلاء القرَّاء، وتعزيرهم واستتابتهم، ويجب على كل مُكلَّف إنكار ذلك إن تمكَّن منه.

وقد اختلف الفقهاء في حكم قراءة القرآن بالألحان إذا لم يترتَّب عليها ما سبق أن منعه الفقهاء، فمنهم مَن قال بكراهتها تحريمًا، ومنهم مَن قال بجوازها، ومما استدل به الفريق الأول: ما رُوِي عن حذيفة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “اقرءوا القرآنَ بلُحون العرب وأصواتها، وإياكم ولُحونَ أهل الكبائر والفِسْق؛ فإنه سيجيء من بعدي أقوام يُرَجِّعون بالقرآن ترجيعَ الغناء والرهبانية والنَّوْح، لا يُجاوز حناجرَهم، مفتونةً قلوبُهم، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم”، وما رُوِيَ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه “ذكر أشراط الساعة، وذكر منها: أن يُتَّخَذ القرآن مزاميرَ، يقدمون أحدَكم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم، إلا لِيُغَنِّيهم غناءً”، وما روي عن أبي بكر قال: “كانت قراءة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المد، ليس فيه ترجيع”، أي لم يكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُرَدِّد صوته بالقراءة كقراءة أصحاب الألحان، ورُوِي “أن زيادًا النهدي جاء إلى أنس بن مالك مع القرَّاء، فقيل له: اقرأ، فرفع صوته وطرَّب في القراءة، فكشف أنس عن وجهه، وقال: يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون” يقصد أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولأن التطريب بالقراءة يتضمَّن همز ما ليس بمهموز، ومد ما ليس بممدود، وترجيع الألف الواحدة ألفات، والواو واوات، والياء ياءات، فيُؤَدِّي ذلك إلى زيادة في القرآن، وهذا لا يجوز، ولأنه لا حدَّ لما يجوز من التطريب بالقراءة وما لا يجوز، وهذا يؤدي إلى أن يُطلق القارئ لنفسه العَنان في ترديد الأصوات وتنوع الإيقاعات والألحان كما يفعل أهل الغناء، مما يترتب عليه تغيير كتاب الله ـ تعالى ـ والتغني به على نحو ألحان الغناء، اجتراءً على كتابه وتلعبًا بالقرآن، وركونًا إلى تزيين الشيطان، ولا يُجيز هذا أحد من علماء المسلمين، ولأن قراءة القرآن بالألحان، خُروج عما ينبغي اتباعه عند قراءته أو سماعه من الخُشوع والتفهُّم والتدبر لآياته، ومما استدل به القائلون بجواز قراءة القرآن بالألحان، ما رُوِيَ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: “ليس منا مَن لم يتغَنَّ بالقرآن”، وما روي عن عبد الله بن مغفل قال: “رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأ وهو على ناقته وهي تسير به، وهو يقرأ سورة الفتح، أو من سورة الفتح، قراءةً لينةً، يقرأ ويُرَجِّع” ثم قرأ ابن مغفل، على نحو ما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأ، وقد رُوِي عن عمر بن الخطاب أنه قال: “مَن استطاع أن يُغَنِّي بالقرآن غناءَ أبي موسى الأشعري فلْيَفعَلْ”.

والذي تركن النفس إليه في هذه المسألة أن التطريب بالقراءة إن كان مما يقتضيه تحسين الصوت بالقرآن، ولم يكن فيه تكلُّف أو تصنُّع، ورُوعِيَ في القراءة أحكام التلاوة، ولم يترتَّب على هذا التطريب إخراج الكَلِم عن مواضعه، أو تغيير الكلمات، أو جعل الحركات حروفًا، أو ما شابَه ذلك، فلا كراهة فيه، وأما إذا كان التطريب بالقراءة عن تكلُّف وتصنُّع وتأنُّق، واتباع لقواعد ألحان الموسيقى، وكان هذا هو الشغل الشاغل للقارئ، بحيث أغفل في سبيل مراعاة الألحان أحكام التلاوة، فإن هذه القراءة يُكرَه إتيانها وسماعها، وتُحمَل الأحاديث الدالَّة على جواز التطريب بالقراءة على الحالة الأولى، والأحاديث الدالة على المنع منه على الحالة الثانية، وفي هذا جمع بين الأحاديث الواردة في هذا الخُصوص، وإعمال لها جميعًا، وهو خير من إعمال بعضها وإهمال البعض الآخر.
والله أعلم