السؤال:

حديث مَجيء ملَك الموت إلى موسى ـ عليه السلام ـ ولطمه له حتى فقأ عَينَيه. هل هذا الحديث صحيح؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طَيِّبًا طاهرًا مبارَكًا فيه وصلَّى الله ـ تعالى ـ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد
فهذا الحديث صحيح، فقد رواه الإمام البخاري في الجامع الصحيح، كما رواه غيره من أئمة الحديث، ورُواته ثقات.
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “جاءَ ملَك الموت إلى موسى فقال له: أجِبْ رَبَّكَ. قال: فلطَم موسى عَيْنَ ملَك الموت ففقَأها، قال: فرجع الملَك إلى الله ـ تعالى ـ فقال: إنَّك أرسلتني إلى عبد لك لا يُريد الموتَ، وقد فقأ عيني”.
قال: فرَدَّ الله عينه. قال: ارجِع إلى عبدي فقل له: الحياةَ تريد؟
فإن كنتَ تريد الحياة، فضعْ يديك على مَتْن ثور، فما وارتْ يدك من شعره، فإنَّك تعيش بها سنة. قال موسى عندما قال له الملك ذلك ثم مَهْ؟ أي ثم ماذا بعد أن أعيش هذه السِّنين. قال الملك: ثم تموت. قال: فالآن من قريب، ربِّ أدْنني من الأرض المقدّسة ـ أي بيت المقدس ـ رمية بحجر وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: لو أنِّي عنده لأريتُكم قبرَه إلى جانب الطريق، عند الكَثيب الأحمر.

ومعنى الحديث أن الله ـ جَلَّ وعَلا ـ أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار، وأمره أن يقول له: أجِب ربَّك، وكما قلنا أمر ابتلاء واختبار، لا أمرًا يريد به الحقُّ ـ سبحانه وتعالى ـ إمضاءَه، كما أمرَ إبراهيم ـ عليه السلام ـ أن يذبَح ابنه أمر ابتلاء واختبار.

ولما كان موسى ـ عليه السلام ـ بشرًا يكرهُ الموت، كما يكرهه كل البشر ويجدون ألمَه حِسًّا، لطَف الله به، ولم يُفاجئه به بَغتة، ولم يأمر الملك الموكَّل به أن يأخذَه به قهرًا.

ولكن موسى ـ عليه السلام ـ استنكر أمر هذا الذي جاءه في صورة بشر يريد أن يسلبه حياتَه، وأن يقضي عليه، فكان من باب الدفاع عن النَّفس أن يُقاوِمه، وأن يلطمه، كما جاء في حديث الصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم.

ولكن عندما جاءه الملَك سليمًا بعد أن رُدَّتْ عينه تحقَّق موسى من أنَّه ملك، وأنه جاء من عند الله عزَّ وجلَّ. فآثَر لقاءَ الله، وآثر الرَّفيق الأعلى، ونجح في الاختبار، وبدَتْ نبوّته عندما اختُبر وخُيِّر.
وقد طلب موسى من الله سبحانه وتعالى أن يُدنيَه من الأرض المقدسة، ولم يطلب منه ـ تعالى ـ أن يدفن فيها؛ لأنَّ هذا الوقت كان من سنوات التِّيهِ التي حكم الله ـ عَزَّ وجَلَّ ـ بها على بني إسرائيل مدَّةَ أربعين سنة عقابًا لهم بعد أن قال لهم موسى: يا قوم ادخلوا الأرضَ المقدَّسة التي كَتب اللهُ لكم، ولم يُطيعوا وجَبُنُوا أن يدخلوها.
وقد دأب بعض الناس على إنكار مثل هذه الأحاديث الصحيحة لغير سبب صحيح غير أنَّهم لا يفهمون معناها ولا يُدركون مغزاها.
والحديث رُواته ثِقات وأجمع علماء الحديث على صِحّته، وليس فيه ما يتعارَض مع أصل في الكِتاب والسُّنّة.
نسأل الله تعالى التوفيق والهداية.