السؤال:

مامعنى في سبيل الله في آية مصارف الزكاة؟ وهل هذا المصرف قاصر على الجهاد العسكري ؟ وهل تعطى الجمعيات الخيرية من هذا السهم؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
المعنى الراجح لمصرف (في سبيل الله) في آية الزكاة هو الجهاد، لكن الجهاد ليس قاصرا على الجهاد العسكري وحده، ولكنه يشمل صورا متنوعة ومتعددة للجهاد في سبيل الله، أما إعطاء الجمعيات الخيرية من الزكاة فتعطى من سهم الفقراء والمساكين لا من سهم (في سبيل الله) .
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:
إن الجمعيات الخيرية التي تعمل لمساعدة الفقراء، مثل إطعامهم أو إيوائهم أو تعليمهم أو تدريبهم، أو علاجهم يجوز إعطاؤها من الزكاة المفروضة لا باعتبار ذلك في ” سبيل الله ” بل باعتبارها ممثلة للفقراء أو نائبة عنهم، فإعطاؤها بمثابة الإعطاء للفقراء أنفسهم، كالذي يعطي ولي اليتيم الفقير فهو أعطى اليتيم نفسه.
وأما فيما عدا ذلك، فلا أؤيد المتوسعين في تفسير مدلول ” سبيل الله ” في آية ” إنما الصدقات ” المتعلقة بمصارف الزكاة.
بل الذي أرجحه أن المعنى العام لسبيل الله لا يصلح أن يراد هنا، لأنه بهذا العموم يتسع لجهات كثيرة، لا تحصر أصنافها فضلاً عن أشخاصها . وهذا ينافي حصر المصارف في ثمانية، كما هو ظاهر الآية . كما أن سبيل الله بالمعنى العام يشمل إعطاء الفقراء والمساكين وبقية الأصناف السبعة الأخرى، لأنها جميعًا من البر وطاعة الله، فما الفرق إذن بين هذا المصرف وما سبقه وما يلحقه ؟.

إن كلام الله البليغ المعجز يجب أن ينزه عن التكرار بغير فائدة، فلابد أن يراد به معنى خاص يميزه عن بقية المصارف . وهذا ما فهمه المفسرون والفقهاء من أقدم العصور، فصرفوا معنى (سبيل الله) .. إلى الجهاد . وقالوا: إنه المراد به عند إطلاق اللفظ . ولهذا قال ابن الأثير: إنه صار لكثرة الاستعمال فيه كأنه مقصور عليه.
ومما يؤيد ما قاله ابن الأثير، ما رواه الطبراني: أن الصحابة كانوا يومًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا شابًا جلدًا، فقالوا: لو كان شبابه وجلده في سبيل الله ؟ (قال المنذري في الترغيب: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، ج 3 ص 4 ” . المنيرية) يريدون في الجهاد ونصرة الإسلام.

وصحت أحاديث كثيرة عن الرسول و أصحابه تدل على أن المعنى المتبادر لكلمة ” سبيل الله ” هو الجهاد . كقول عمر في الحديث الصحيح: ” حملت على فرس في سبيل الله ” يعني في الجهاد . وحديث الشيخين: ” لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها “.

فهذه القرائن كلها كافية في ترجيح أن المراد من ” سبيل الله ” في آية المصارف، هو الجهاد، كما قال الجمهور، وليس المعنى اللغوي الأصلي، وقد أيّد ذلك حديث لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة … وذكر منهم الغازي في ” سبيل الله ” . وهذا ما اختاره الشيخ أبو زهرة في بحثه في ” الزكاة ” الذي قدمه لمؤتمر البحوث الإسلامية الثاني.

ولهذا أوثر عدم التوسع في مدلول ” سبيل الله ” بحيث يشمل كل المصالح والقربات . ولكني أرجح عدم التضييق فيه، بحيث لا يقصر على الجهاد بمعناه العسكري المحض.

إن الجهاد قد يكون بالقلم واللسان، كما يكون بالسيف والسنان . وقد يكون الجهاد فكريًا، أو تربويًا، أو اجتماعًا، واقتصاديًا، أو سياسيًا، كما يكون عسكريًا.
وكل هذه الأنواع من الجهاد تحتاج إلى الإمداد والتمويل.
المهم أن يتحقق الشرط الأساسي لذلك كله، وهو أن يكون ” في سبيل الله ” أي في نصرة الإسلام وإعلاء كلمته في الأرض، فكل جهاد أريد به أن تكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله . أيًّا كان نوع هذا الجهاد وسلاحه.

فالنصرة لدين الله وطريقته وشريعته تتحقق بالغزو والقتال في بعض الأحوال، بل قد يتعين هذا الطريق في بعض الأزمنة والأمكنة لنصرة دين الله . و لكن قد يأتي عصر – كعصرنا – يكون فيه الغزو الفكري والنفسي أهم وأبعد خطرًا وأعمق أثرًا، من الغزو المادي العسكري.

فإذا كان جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة قديمًا، قد حصروا هذا السهم في تجهيز الغزاة والمرابطين على الثغور، وإمدادهم بما يحتاجون إليه من خيل وكراع وسلاح . فنحن نضيف إليهم في عصرنا غزاة ومرابطين من نوع آخر . أولئك الذين يعملون على غزو العقول والقلوب بتعاليم الإسلام، والدعوة إلى الإسلام، أولئك هم المرابطون بجهودهم وألسنتهم وأقلامهم للدفاع عن عقائد الإسلام وشرائع الإسلام.

ودليلنا على هذا التوسع في معنى الجهاد :
أولاً: أن الجهاد في الإسلام لا ينحصر في الغزو الحربي والقتال بالسيف
فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سئل: أي الجهاد أفضل ؟ فقال: ” كلمة حق عند سلطان جائر “. (رواه أحمد والنسائي والبيهقي في الشعب والضياء المقدسي عن طارق بن شهاب وقال المنذري بعد عزوه للنسائي إسناده صحيح . التيسير للمناوي ج 1 ص 182).
كما روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون . فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل “.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم “. (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن أنس وقال صحيح وأقروه كما في التيسير شرح الجامع الصغير للمناوي ج 1ص 485).

ثانيًا: إن ما ذكرناه من ألوان الجهاد والنشاط الإسلامي لو لم يكن داخلاً في معنى الجهاد بالنص، لوجب إلحاقه به بالقياس، فكلاهما عمل يقصد به نصرة الإسلام والدفاع عنه، ومقاومة أعدائه، وإعلاء كلمته في الأرض.
وقد رأينا للقياس مدخلاً في كثير من أبواب الزكاة . ولم نجد مذهبًا إلا قال به في صورة من الصور.
وبذلك يكون ما اخترناه هنا في معنى سبيل الله هو رأي الجمهور مع بعض التوسعة في مدلوله.

وأود أن أنبه هنا على أن بعض الأعمال والمشروعات قد تكون في بلد ما وزمن ما وحالة ما جهادًا في سبيل الله، ولا تكون كذلك في بلد آخر أو وقت آخر أو حال أخرى.
فإنشاء مدرسة في الظروف العادية عمل صالح وجهد مشكور يحبذه الإسلام ولكنه لا يعد جهادًا . فإذا كان بلد قد أصبح فيه التعليم وأصبحت المؤسسات التعليمية في يد المبشرين أو الشيوعيين أو اللادينيين العلمانيين فإن من أعظم الجهاد إنشاء مدرسة إسلامية خالصة، تعلم أبناء المسلمين ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم، ويحصنهم من معاول التخريب الفكري والخلقي، وتحميهم من السموم المنفوثة في المناهج والكتب، وفي عقول المعلمين، وفي الروح العامة التي توجه المدارس والتعليم كله.

ومثل ذلك يقال في إنشاء مكتبة إسلامية للمطالعة في مواجهة المكتبات الهدامة ، وكذلك إنشاء مستشفى إسلامي لعلاج المسلمين، وإنقاذهم من استغلال الإرساليات التبشيرية الجشعة المضللة، وإن كانت المؤسسات الفكرية والثقافية تظل أشد خطرًا، وأبعد أثرًا.

من سبيل الله تحرير أرض الإسلام من حكم الكفار :
ولا شك أن من أهم ما ينطبق عليه معنى الجهاد في عصرنا هو: العمل لتحرير الأرض الإسلامية من حكم الكفار الذين استولوا عليها، وأقاموا فيها حكمهم بدل حكم الله . سواء أكان هؤلاء الكفار يهودًا أم نصارى أم وثنيين، أم ملحدين لا يدينون بدين . فالكفر كله ملة واحدة.

فالرأسمالي والشيوعي، والغربي والشرقي، والكتابي واللاديني، كلهم سواء في وجوب محاربتهم إذا احتلوا جزءًا من ديار الإسلام، يقوم بذلك أدنى البلاد إلى هذا الجزء يعاونهم الأقرب فالأقرب، حسب الحاجة، إلى أن يشمل الوجوب المسلمين جميعًا، إن لم تقم الكفاية إلا بالجميع.

ولم يبتل المسلمون في عصر، كما ابتلوا اليوم، بوقوع كثير من ديارهم في قبضة الكفرة المستعمرين . وفي مقدمة هذه الديار: فلسطين التي سلط عليها شذاذ الآفاق من اليهود . ومثل ذلك ” كشمير ” التي تسلط عليها الهندوس المشركون … ” وإريتريا ” التي سلطت عليها الصليبية الحاقدة الماكرة، ومثل ذلك البلاد الإسلامية العريقة مثل بخاري وسمرقند وطشقند .. التي تسلطت عليه الشيوعية الملحدة الطاغية.
واسترداد هذه البلاد كلها، وتخليصها من براثن الكفر، وأحكام الكفار واجب على كافة المسلمين بالتضامن، وإعلان الحرب المقدسة لإنقاذها فريضة إسلامية.

فإذا قامت حرب في أي جزء من هذه الأجزاء بهذا القصد، ولهذه الغاية: تخليص البلد من أحكام الكفر وطغيان الكفرة، فهي – بلا نزاع – جهاد في سبيل الله، يجب أن يموّل ويعان، وأن يدفع له قسط من مال الزكاة، يقل ويكثر حسب حصيلة الزكاة من جهة، وحسب حاجة الجهاد من جهة ثانية، وحسب حاجة سائر المصارف الأخرى شدة وضعفًا من جهة ثالثة، وكل هذا موكول لأهل الحلّ والعقد، وذوي الرأي والشورى من المسلمين، إن وجدوا.

السعي لإعادة حكم الإسلام جهاد في سبيل الله :
وأحق ما ينبغي أن يصرف إليه سهم (في سبيل الله) في عصرنا ما ذكره العلامة السيد رشيد رضا رحمه الله، حيث اقترح تأليف جمعية ممن بقى من أهل الدين والشرف من المسلمين، تنظم جمع الزكاة منهم، وتصرفها – قبل كل شيء في مصالح المرتبطين بهذه الجمعية قال: ويجب أن يراعى في تنظيم هذه الجمعية: أن لسهم ” سبيل الله ” مصرفًا في السعي لإعادة حكم الإسلام، وهو أهم من الجهاد لحفظه – في حال وجوده – من عدوان الكفار، ومصرفًا آخر في الدعوة إليه والدفاع عنه بالألسنة والأقلام إذا تعذر الدفاع عنه بالسيوف والأسنة وألسنة النيران. (تفسير المنار ج 10 ص 598 ط. ثانية).
. والله أعلم