السؤال:

يقول الله ـ تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها }. فكيف تكون الصلاة حسب نص الآية، وما الصلاة الجهرية، وما الصلاة السرية، وما الحكمة في ذلك

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

 

فيقول فضيلة الشيخ عطية صقر من علماء الأزهر :

يقول الله تعالى : (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) ، قال بعض المفسرين : إن المراد بالصلاة هنا : الدعاء ، بدليل الآية السابقة عليها ، (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيما تدعوا فله الأسماء الحسنى) .

والمراد أن يكون الدعاء وسطا بين الجهر الذي يوقظ النائم ويزعجه ، أو يجر إلى الرياء ، وبين الإسرار الذي لا يسمعه الداعي ، ويكون أشبه بالهمس غير المفهوم . وهذا ما رواه مسلم .

وأخرج البخاري ومسلم أن هذه الآية نزلت ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) متوار بمكة ، وكان إذا صلى بأصحابه ، ورفع صوته بالقرآن ، فإذا سمع المشركون ؛ سبوا القرآن ومن أنزله ، ومن جاء به ، فقال الله تعالى : (ولا تجهر بصلاتك) ، فيسمع المشركون قراءتك ، ولا تخافت بها عن أصحابك ، [أي: أسمعهم القرآن] ولا تجهر ذلك الجهر ، وابتغ بين ذلك سبيلا ، وبين الجهر والمخافتة ، وهذان السببان أصح ما ورد في نزول الآية.

وروى أحمد وأبو داود أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مر ليلة باب بكر وهو يصلي يخفت صوته ، ومر بعمر وهو يصلي رافعا صوته ، فلما اجتمعا عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) قال : يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفت صوتك ، فقال له : يا رسول الله قد أسمعت من ناجيت ، وقال لعمر : مررت بك وأنت تصلي رافعا صوتك فقال يا رسول الله : أوقظ الوثنان وأطرد الشيطان. فقال ( صلى الله عليه وسلم ): يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئا. وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئا”.

ولعل هذه الحادثة كانت بعد نزول الآية، فأراد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يرشدهما إلى تطبيقها.

أما الصلاة المفروضة التي يجهر فيها فهي: الصبح والجمعة والركعتان الأوليان من المغرب والعشاء.

والتي يسر فيها ما عدا ذلك، وهي: الظهر والعصر والركعة الثالثة من المغرب، والركعتان الأخيرتان من العشاء.

والجهر يكون في قراءة الفاتحة، وفى السورة، أو الآية التي تليها.

أما الأذكار والأدعية فيها فهي سرية إلا في قنوت الصبح والذي يجهر هو المنفرد، وكذا الإمام.

أما المأموم فهو يسر أبدا في قراءته.

 

الحكمة من الجهر والسر في الصلاة

والحكمة في السر في الصلاة ما كان عليه الحال في مكة لإيذاء المشركين لمن كان يصلون ويجهرون في القراءة فيها، وكانت الصلاة ركعتين ركعتين، فبقيت في السفر على ذلك، وزيدت في الحضر.

والكفار كانوا مشغولين عن المصلين قبل طلوع الشمس؛ لأنهم نائمون فبقي الجهر في صلاة الصبح كما كان.

 

وكذلك كانوا مشغولين بعد غروب الشمس بالنوم أو السهر الخاص فبقي الجهر في المغرب والعشاء كما كان.

 

وصلاة الظهر وصلاة العصر في وضح النهار، فشرع السر فيهما؛ خشية إيذاء الكفار.

 

أما الجمعة، فشرعت صلاتها في المدينة أو بعد الهجرة، وكان شرعها في قوله {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}.

 

والنداء لها وللصلوات الأخرى في الآذان شرع في المدينة، على أن كثرة المصلين للجمعة فيها قوة ترهب عدوهم أن ينالهم بسوء كما كان الحال في مكة.

 

وإذا كان الأمن قد استتب في المدينة، ولم يعد هناك خوف من المشركين عند الجهر بالقراءة نهارا فإن التشريع بقى تسجيلا لفترة من التاريخ.

 

وشكرا لله على النعمة كلما تذكرنا ما كان عليه المسلمون في مكة، وما آل إليه الإسلام بعد ذلك من نصر وقوة.

 

ويقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :

إنما الجهر في الصلاة الليلية التي تصلى في وقت الظلام غالبًا ، فقد جاءت السنة الصحيحة بأنهم كانوا ينصرفون من صلاة الصبح ولا يكاد يَرى بعضهم بعضا .

 

ومن المعهود أن الإنسان في وقت الظلام لا يخلو من أحد حالين ، النعاس أو الخواطر الكثيرة ورفع الصوت ، يُعين على طرد النعاس ودفع الخواطر والوسواس ، كما ورد في الأثر عن سيدنا عمر رضي الله عنه .

 

فالأقرب عندي أن هذه هي حكمة الجهر في هذه الصلوات ، وفي معناها اهتداء داخل المسجد ليلاً إلى معرفة المصلي ليأتم به ، وللصوفية وغيرهم في ذلك أقوال غير جلية .

والله أعلم .

وللمزيد يمكن مطالعة الروابط التالية :

حكم الجهر في الصلاة الجهرية

الجهر في الصلاة السرية

الإسرار بالقراءة في الصلاة الجهرية