السؤال:

ما العلة في تحريم الربا؟ وهل اتفق العلماء على علة واحدة ؟ أم أن الأمر فيه خلاف لدى الفقهاء ؟ أرجو ذكر الآراء بالتفصيل ؟

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
اختلف الفقهاء في علة الربا إلى أربعة مذاهب كالآتي:
1- مذهب الحنفية: وهو أن علة التحريم في هذه الأموال وصفان هما: القدر (وهو الكيل أو الوزن)، والجنس. ذلك أن هذه الأموال الستة بعضها موزون كالذهب والفضة، وبعضها مكيل، كالبن والشعير، وليس فيها غير مقدر.
وقد نص النبي -صلى الله عليه وسلم- على تحريم بيع الجنس بجنسه فيها متفاضلاً ، فكان على التحريم الجنس مع القدر. وعلى ذلك إذا باع صاعاً من حنطة بصاع منها ناجزاً جاز، لانعدام أحد وصفي العلة، وهو التفاضل في القدر. فإذا باعه بصاعين حرم لقيام الوصفين وهما: التفاضل في القدر مع اتحاد الجنس، ولا يؤثر في ذلك أن يكون الصاعان قيمتهما كقيمة الصاع الواحد المقابل لرداءتهما وجودة الصاع، فإن الجودة في أموال الربا ساقطة الاعتبار. فيكون الاعتبار للوزن والكيل دون القيمة. وذلك لصراحة الحديث الشريف : بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً).

وكذلك الحكم في كل مكيل أو موزون، كأنواع الخضار، والمعادن، والسوائل التي تباع بالكيل أو الوزن، فأنها أموال ربوية قياساً على الأموال الستة.

وأما الأقمشة التي تباع ذرعاً، والأدوات التي تباع عداً، فإنها مما لا يجري فيه الربا عندهم لانعدام الكيل أو الوزن فيها وهما القدر الوارد في الأموال الستة فلا يزاد عليه. فلو باع بطيخة ببطيختين أو بيضة ببيضتين جاز، إذا كان العرف يجري على بيعه بالعدد، ولو باع طناً من البطيخ بطنين منه لم يجز إذا كان العرف جار على بيعه بالوزن، لأنه في المرة الأولى غير مقدر بالمقدار المحرم، وفي الثانية مقدر به.

ولا يتم التحريم عند الحنفية في البيع المنجز إلا باجتماع وصفي العلة معاً، فإذا وجد أحد الوصفين دون الآخر لم يحرم البيع الحال، وأما البيع لأجل، وهو (النَّساء) فإنه يحرم بوصف واحد.

2- مذهب الشافعية: وهو أن علة الربا إنما هي الثمنية، أو الطعم، ذلك أن الذهب والفضة ثمنان، والأنواع الأربعة الأخرى مطعومة، فكانت العلة في تحريم الربا فيها ذلك. والجنس شرط التحريم في كل، فإذا باع حنطة بحنطة حرم التفاضل وكذلك كل مطعوم إذا بيع بجنسه، والطعام عندهم هو كل ما قصد للغذاء كاللحم، أو التفكه بالفواكه، أو لسلامة البدن كالأدوية، فإنها كلها مطعومة في حق الربا.

فإذا بيع بخلاف جنسه، لم يحرم ما دام البيع منجزاً، لاختلال شرط التحريم وهو اتحاد الجنس بين البدلين.

وكذلك إذا باع فضة بفضة منجزاً، فإنه محرم إلا إذا تساويا وزناً، وكذلك الذهب بالذهب للثمنية في كل واتحاد الجنس.

فإذا باع حديداً بحديد متفاضلاً لم يحرم، لانعدام العلة، وهي الطعم أو الثمنية.

3- مذهب المالكية: وهو أن علة الربا إنما هي الطعمية مع الاقتيات والادخار في الأنواع الأربعة، والثمنية في الذهب والفضة مع الجنس.
والطعمية عندهم معناها كل ما يطعمه الناس للتفكه، أو التداوي، أو التغذي أو غير ذلك.
وأما الاقتيات عندهم، فيشمل كل مأكول يصلح البدن بالاكتفاء به، ويكون في معنى المقتات به عندهم ما هو ضروري لحفظ المقتات به كالملح.
وأما الادخار فمعناه إمكان استبقاء المطعوم إلى الأمد المبتغى منه عادة، ولا حد لذلك على ظاهر المذهب، بل هو في كل شيء يحسبه.
وأما الجنس فإنه أحد وصفي العلة، ولا يحرم التفاضل إلا معه، إلا أنه ينزل منزلة الجنس الواحد الجنس المقارب على المعتمد. فالبن والشعير والسلت جنس واحد في الربا، لتقارب منفعتها، فيحرم لذلك بيع بعضها ببعض متفاضلاً كبيع البر بالبر نفسه متفاضلاً تماماً.

هذا في البيع المنجز، أما البيع إلى أجل (النَّساء) فإن علة التحريم فيه إلى جانب الجنس الطعم مطلقاً سواء أكان مقتاتاً به أو لا، مدخراً أو لا. بشرط أن يكون طعماً لغير التداوي فإذا كان للتداوي لم يجر فيه النَّساء.
وعلى هذا لو باع فاكهة طازجة بفاكهة من جنسها حرم النساء، وجاز التفاضل، فحرمة النساء للطعم، وإباحة التفاضل لانتفاء الادخار وهكذا …

4- مذهب الحنبلية: وأما الحنبلية فقد ثبت عنهم ثلاث روايات في علة الربا.
أولاها- كمذهب الحنفية، وهي القدر مع الجنس وهي الأشهر عندهم.
وثانيها- كمذهب الشافعية، وهي الطعم أو الثمنية، مع الجنس.
وثالثها- الثمنية، أو الطعم مع القدر الشرعي إذا اتحد الجنس، وعلى هذا فلا ربا في مطعوم إلا إذا كان مكيلاً أو موزوناً، خلافاً للرواية الثانية السابقة فإنها تكتفي بالطعم وحده للتحريم.
مواضع الاتفاق بين المذاهب الأربعة في علة الربا:

ومن تتبع ما تقدم ندرك أن هنالك اتفاقاً بين أكثر المذاهب في بعض النقاط واختلافاً في نقاط أخرى.
فمحل الاتفاق في علة الربا هو نقطتان:
1- اتحاد الجنس، فإنه أحد أوصاف علة الربا عند الحنفية والمالكية والحنبلية، وهو شرط العلة عند الشافعية فلا ربا مع اختلاف الجنس، إلا أن المالكية -كما تقدم- يقيمون الجنس المقارب مقام الجنس الواحد في التحريم.
2- الثمنية، فإنها أحد أوصاف علة الربا أيضاً عند الأئمة الثلاثة إلا الحنفية، فإذا اجتمعت مع الجنس حرم التفاضل والنساء باتفاق الثلاثة، وإذا انفردت عنه حل التفاضل وحرم النساء.
ومحل الاختلاف بينهم هو:
1- أن الحنفية حرموا الربا عند اتحاد الجنس في كل مقدر مكيلاً كان أو موزوناً. وتبعهم في ذلك الحنابلة في الأشهر من روايات ثلاث عنهم دون المالكية والشافعية.
2- أن الشافعية استبدلوا القدر لدى الحنفية بالطعم، وزادوا عليه الثمنية، وتبعهم في ذلك الحنابلة في رواية ثانية عنهم.
3- أن المالكية استبدلوا القدر بالطعم مع الاقتيات والادخار في ربا الفضل، واكتفوا بالطعمية وحدها في ربا النسيئة. هذا إلى جانب الثمنية فإنها أحد أوصاف علة الربا عندهم كالشافعية.

وعلى هذا إذا باع إنسان مثقال ذهب بمثقالي ذهب كان ربا في الحال والنساء عند الجميع. عند الثلاثة للثمنية مع الجنس، وعند الحنفية للقدر مع الجنس.
فإذا باع فضة بذهب، حل التفاضل وحرم النساء بالاتفاق أيضاً، لاتفاقهم على أن النساء يحرم بأحد أوصاف علة ربا الفضل، وهو هنا القدر عند الحنفية، والثمنية عند الثلاثة.

فإذا باع حنطة بحنطة حرم التفاضل والنساء بالاتفاق أيضاً لاتحاد القدر مع الجنس عند الحنفية، وللطعم مع الجنس عند الشافعية، وللطعم والادخار والاقتيات مع الجنس عند المالكية، لأن الحنطة من المطعوم المقتات به المدخر.

وإذا باع حديداً بنحاس، حل التفاضل والنساء عند الشافعية والمالكية لانعدام علة الربا، وحل التفاضل وحرم النساء عند الحنفية والحنبلية لوجود القدر وحده وهو الوزن هنا، وهكذا …