السؤال:

ما يباح للخاطب من مخطوبته؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
يقول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة.

رغَّب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النكاح، وحضَّ عليه، في أحاديث كثيرة، حتى قال جمهور الفقهاء: إن حكم النكاح في حال اعتدال مُريد النكاح هو الاستحباب والندب، من هذه الأحاديث: قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للرهط الذين ذهبوا إلى بيوت زوجاته يسألونه عن عبادته: “أمَا والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، ولكني أصوم وأُفطِر، وأصلي وأرقُد، وأتزوج النساء، فمَن رَغِب عن سنَّتي فليس مني”

وما روي عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءةَ فلْيتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وُجاء”، والباءة: هي مُؤَن النكاح، والوُجاء: هو القاطع، ويقصد به هنا: القاطع للشهَوات، وما رُوِي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “ألا أخبركم بخير ما يَكنِز المرء؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرَّتْه، وإذا غاب عنها حَفِظَتْه، وإذا أمرها أطاعتْه، وإذا أقسم عليها أبرَّتْه”

ورُوِي عن معقل بن يسار أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “تزوَّجوا الوَلُود الوَدُود؛ فإني مُكاثر بكم الأُمَم”.
وإذا كان هذا الترغيب منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النكاح، فقد رغَّب فيما يكون سببًا لدوام العِشْرة بين المُتَناكِحَيْنِ، وهو رؤية الخاطب مخطوبتَه قبل العقد عليها؛ لما في هذه الرؤية من تبيُّن ما يدعو إلى نكاح امرأة بعينها، فيكون هذا أدعى إلى دوام العشرة بين هذا الخاطب ومَن يُريد الزواج بها، تحقيقًا لمقصود الشارع من استمرار العلاقة الزوجية بينهما، وقد جاء في السنَّة النبوية المطَهَّرة أحاديث كثيرة، تدل على مشروعية نظَر الخاطب إلى مخطوبته، منها: ما رُوِيَ عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “إذا خطَب أحدُكم المرأةَ، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فلْيَفعلْ، قال جابر: فخطبتُ امرأةً فكنْتُ أَخْتَبِئُ لها تحت الكَرَبِ “أصول سعف النخل الغِلاظ العِراض”، حتى رأيتُ منها بعض ما دعاني إلى نكاحها فتزوَّجْتُها”

وروي عن المُغيرة بن شُعبة أنه خطب امرأة، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “انظرْ إليها؛ فإنه أحرى أن يُؤَدَم بينكما” أي تدوم بينكما المودَّة، ورُوِيَ عن أبي حميد قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: “إذا خطَب أحدُكم امرأةً فلا جناح عليه أن ينظُر منها، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة، وإن كانت لا تعلم”.

وإذا كان نظر الخاطب إلى مَن يُريد الزواج بها مشروعًا، إلا أن الفقهاء اختلفوا في المواضع التي يجوز للخاطب أن ينظرها من مخطوبته، ومذهب جمهورهم: “الحنفية والمالكية والشافعية” أنه ينظر منها الوجه والكفين، فلا يَحِلُّ له أن ينظر فيها أكثر من ذلك، لعدم الحاجة إليه، ولأن الأصل هو حُرْمة النظر إلى جميعها، إلا أنه أُبِيح بمقدار ما تدعو الحاجة إلى النظر إليه، وهو الوجه والكفين، فبَقِيَ ما عداهما على حكم الأصل.

ومحل جواز نظر الخاطب إلى مخطوبته، إذا كان يرجو أن يُجاب إلى طلَبِه الزواج منها، أو يغلِب على ظنِّه ذلك، ولو أن يُكَرِّر النظر إليها، وأن يَستديمه ليَتَبَيَّن هيئتها، فلا يندم بعد النكاح، وإن كان الحنفية يمنعون النظر الزائد عن الحاجة؛ لأنه نظر أُبيح للضرورة، فيقدر بقَدْرها.

ولا يُشتَرط عند جمهور الفقهاء ـ غير المالكية ـ استئذانها أو استئذان وَلِيِّها عند النظر إليها، اكتفاءً بإذن الشارع له في ذلك، وحتى لا تتزيَّن، أو تُغَيِّر من هيئتها، فيفُوت الغرض من النظر إليها.

وإذا جاز للخاطب النظر إلى الموضعين السابقين من مخطوبته، فلا يحل له أن يختلي بها، أو أن يخرج معها، أو أن يَمَسَّ شيئًا من بدنها، ولو كان عضوًا يجوز له النظر إليه؛ لأنها محرمة عليه قبل العقد عليها، ولم يرد الشرع بغير النظر، فبقي ما عداه على أصل التحريم، ولأنه لا يُؤْمَن مع الخَلْوة بها، أو الخروج معها، أو مس شيء من بدنها من ثوران الشهوة ومواقعة المحظور؛ ولهذا منع الشارع من ذلك كله، وورد هذا المنع في نصوص كثيرة، منها: ما رُوِيَ عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة ليست منه بمَحرَم؛ فإن الشيطان ثالثهما”، أي يكون معهما في هذه الخَلْوة، يُوَسْوِس لهما بارتكاب المعصية، وما رُوِيَ عن معقل بن يسار أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لأن يُطعَن في رأس أحدِكم بمِخْيَط من حديد، خير له من أن يمَسَّ امرأة لا تَحِل له” وما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: “مَن مسَّ كفَّ امرأة ليس منها بسبيل، وضع على كفِّه جمرة يوم القيامة”

والمرأة التي لا تَحِل للَّامس، أو التي لا سبيل له عليها، هي المرأة الأجنبية التي ليست زوجًا له، كتلك التي يَخطُبُها لنفسه ولم يَعقِد عليها بعدُ، فالالتزام بهذا الأدب الإسلامي، ينتهي بالعلاقة بين الخاطب ومخطوبته إلى الغاية التي أرادَها الشارع، من إتمام عقد النكاح بينهما، ودوام العِشْرة، وقيامها على أُسُس من شرع الله سبحانه، بدلًا من سلوك مُعْوَجٍّ قامت عليه هذه العلاقة أسفر عن مفاسد كثيرة، نسمع ونرى ونقرأ عنها، لا تنتهي بهذه العلاقة إلى خير؛ نتيجة لتنكُّب أطرافها الطريق القويم الذي رسمه الإسلام، وانصياعهم لغرائزهم وشهواتهم، فكان مصيرهم البوَار والخُسران المبين.
والله أعلم