السؤال:

هل أوجب الإسلام النفقة على الأقارب ؟ ومن هم الأقارب الذين تجب لهم هذه النفقة ؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أوجبت الشريعة الإسلامية النفقة على الأقارب حسب درجة قرابتهم من المنفق شريطة أن يكون المنفق قادرا على هذه النفقة
يقول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة :

في زمنٍ طغت فيه المادة على سلوك الناس وعلاقاتهم، وضنَّ الناس فيه بما عندهم على ذويهم، وتنكَّر الناس فيه لذوي قَرابتهم، وشاعت الأنانية المُفرِطة، يثور التساؤل عن مدى التزام المرء بالإنفاق على ذوي قرابته، أصولًا كانوا أو فروعًا أو غيرهم، وقبل بيان حكم هذا وتتميمًا للفائدة، أشير إلى أن الفقهاء متفِقُون على وُجوب نفقة الزوجة على زوجها، إذا وُجِد سبب الوجوب، وهو عقد النكاح الصحيح، ووُجِد شرط الوجوب، وهو احتباس الزوجة لمصلحة الزوج أو استعدادها لذلك، كما قال بعض الفقهاء، أو تمكُّن الزوج من الاستمتاع بها، كما قال بعض آخر منهم، أو هما معًا كما قال فريق ثالث، ودليل وُجوبها على الزوج قول الله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ من حيثُ سكنتُم من وُجْدِكُمْ ولا تُضارُّوهنَّ لِتُضَيِّقوا عليهنَّ وإنْ كنَّ أُولاتِ حملٍ فأنفِقُوا عليهنَّ حتى يضعْنَ حملَهُنَّ)، وقوله سبحانه: (وعلى المولودِ لهُ رِزْقُهُنَّ وكسوتُهُنَّ بالمعروفِ)، وحديث جابر أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتُم فروجهنَّ بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح، ولهنَّ عليكم رزقُهُنَّ وكسوتهن بالمعروف”.

وقد اتفق الفقهاء كذلك على وُجوب النفقة للزوجة التي تُطيق الوطء، صحيحةً كانت أو مريضة، إذا تحقَّق شرط الوُجوب السابق، ولا نفقة لها إذا نشزَت على زوجها، أو فوَّتت عليه حق التمتُّع بها، كما لو امتنعت من تمكينه أو حبست، أو احترفت عملًا خارج منزل الزوجية بدون موافقة الزوج، أو سافرت إلى غير بلد الزوج بدون موافقته أو مرافقته، ونفقة الزوجة تشمل الإطعام والكسوة والسُّكْنَى، على أن يكون المسكن لائقًا بحال الزوج المالية، خاليًا من أهله، مشتملًا على ما يلزم لإعاشة الزوجة فيه، بين جيران صالحين، تأمن فيه على نفسها ومالها، كما تشمل وسائل التنظيف وأُجْرة الخادم، إن كانت الزوج ممَّن تُخدَم في بيت أهلها، وكان الزوج موسرًا، وهذه النفقة تجب كذلك للمطلَّقة طلاقًا رجعيًّا، والبائن إن كانت حاملًا باتفاق الفقهاء، فإن لم تكن حاملًا فلا نفقة لها على الراجح من أقوال الفقهاء، لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في فاطمة بنت قيس وقد طلقت ثلاثًا “ليس لها سُكْنى ولا نفقة”، ولا نفقة لغير الحامل المتوفَّى عنها زوجُها باتفاق الفقهاء، ولا للحامل المتوفَّى عنها زوجها على الراجح، لحديث: “ليس للحامل المتوفَّى عنها زوجها نفقة”.

فأما النفقة على الوالِدَيْنِ والمولودِين، أو النفقة على الأصول والفروع فلا خلاف في وجوبها كذلك، فتجب نفقة الوالِدَيْن على أولادهم ذكورًا كانوا أو إناثًا، كما تجب نفقة الأولاد ذكورًا أو إناثًا على والديهم، إذا كان المُستَحِق للنفقة لا مال له ولا كسْبَ يَستَغْنِي به عن إنفاق غيره، وكان للمُنفِق مال ينفق منه عليهم فاضلًا عن نفقته على نفسه، ودليل وجوب نفقة الأصول على فروعهم قول الحق سبحانه: (وبالوالدَيْنِ إحسانًا) وحديث عائشة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “إن أطيب ما أكلتُم من كسبِكم، وإن أولادَكم من كسبِكم”، ودليل وجوب نفقة الفروع على أصولهم، قول الله، تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لكُمْ فآتوهُنَّ أُجورَهُنَّ)، وحديث هند بنت عتبة زوج أبي سفيان إذ قالت: “يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بَنِيَّ، إلا ما أخذتُ من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في ذلك جُناح؟ فقال: خذي من ماله بالمعروف ما يَكفيك ويكفي بَنِيك”.

وأما نفقة الأقارب غير الأصول والفروع، كالإخوة والأخوات، ونحوهم من ذوي القُرْبى، فإن مذهب جمهور الفقهاء، وُجوب نفقتهم على قريبهم، بالشروط السابقة في نفقة الأصول والفروع، لحديث: “يد المعطي العليا وابدأ بمَن تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك”، حيث ذكر ضمن المُعالين الإخوة والأقرب من الأقارب، فيجب لهم بقَدْر الكفاية المأكل والمشرب والملبَس والمسكن، مراعًا في ذلك العُرْف وحال المُنفِق والمُنْفَق عليه: وظروف الزمان والمكان، ويرى جمهور الفقهاء أن هذه النفقة تجب على وجه لا تَصِير به دَيْنًا في ذمة المُنفِق، ومِن ثَمَّ فإنها تَسقُط بمُضِيِّ المُدَّة؛ لأنها وجبت لدفع الحاجة الناجِزَة، على سبيل المُواسَاة لهؤلاء، فإذا مضت المدة دون دفعها زالت هذه الحاجة فتَسقُط، ويمتنع السقوط بمُضِيِّ المدة، إذا أنفق على القريب شخص غير متبرِّع أو فرضها القاضي على مَن وَجَبَت عليه، وكل هذا يُدَلِّل على عناية التشريع الإسلامي بالترابُط الأسْرِي، وصلة الرحم بين أفراد الأسرة، وشيوع التكافل بينهم، ليَنْصَلِح حال الأسرة، وينصلح بصلاحها حال المجتمع بأسْرِه.