السؤال:

تزوج رجل بامرأة على أنها بكر ثم لما أراد الدخول بها تبين له أنها ثيب فهل يجوز له أن يفسخ هذا العٌقد ؟ أم أنه يطلقها وإذا طلقها وأخذت كل حقوقها فماذا كسب هذا الرجل بعد أن خسر ماله؟

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
زوال غشاء البكارة يجيز للرجل أن يطلق زوجته مادامت لم تخبره بذلك قبل العقد ولم يخبره الولي به ولايحق له فسخ العقد أما الخسارة التي يتكبدها الزوج فيمكنه أن يرجع بها على الولي لأنه هو الذي غرر به ودلس عليه

يقول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر:

رغَّب الشارع في الزواج من البِكْر، فرُوِيَ عن ابن مسعود أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “تَزَوَّجوا الأبكارَ، فإنهن أعذبُ أفواهًا، وأنتق أرحامًا، وأرضى باليسير”، ورُوِيَ عن جابر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له: “يا جابر تزوجتَ بكرًا أم ثَيِّبًا؟ قال: ثيبًا، فقال: هلَّا تزوجتَ بكرًا تلاعبُها وتلاعِبُك” وفي رواية أخرى: “فهلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك، وتُضاحكها وتُضاحكك” ورُوِيَ عن كعب بن عجرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رغَّبَه في نكاح الأبكار، فقال له: “فهلَّا بكرًا تَعُضُّها وتَعُضُّك”، وكانت عائشة تؤكد فضلها على سائر نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتذكر له أنه لم يتزوج بكرًا سواها، إذ رَوَى عروة عن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله أرأيتَ لو نَزَلْتُ واديًا وفيه شجرة قد أُكِلَ منها، ووجدتُ شجرة لم يُؤكَلْ منها، في أيها كنتَ ترتعُ بعيرَك؟ قال: في الذي لم يُرتَع منها، تعني أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يتزوج بكرًا غيرها”، ولَمَّا كانت البَكارة صفة مرغوبة فيمَن أراد الدخول بها أعدَّ الله تعالى للطائعين من عباده أزواجًا من الحُور العِين، أبكارًا لم يمسَسْهنَّ أحد من قبلُ، تتجدَّد إليهن البَكارة في كل مرة يُجامَعْنَ فيها، فقال سبحانه وتعالى في وصفهن: (إنا أنْشَأْنَهُنَّ إنشاءً. فجَعَلْناهُنَّ أبْكَارًا) كما قال تعالى: (فيهِنَّ قاصراتُ الطَّرْفِ لم يَطْمِثْهُنَّ إنسٌ قبلَهم ولا جان).

وكل هذا وغيره دليل على استحباب الزواج من المرأة البِكر، إلا أن يكون هناك مقتضى للزواج من الثَيِّب، فإن الشرع لا يمنعه، كما ورد في قصة جابر حين رغَّبَه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الزواج من البِكْر، قال: “يا رسول الله كن لي تسع أخوات، فكَرِهْتُ أن أجمع إليهنَّ جاريةً خَرْقاء مثلَهُنَّ، ولكن امرأة تقوم عليهنَّ وتُمَشِّطْهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَصَبْتَ”.

وإذا كانت البَكارة صفة مرغوبة فيمَن يُراد الزواج بها على هذا النحو حتى كان مستحبًّا، فإن زوال البَكارة من المرأة المعقود عليها صفة غير مرغوبة، خاصة لمَن تزوج امرأة على أنها بكر، ثم بانَ له عند الدخول عليها أنها بخلاف ذلك، فتُعَدُّ عيبًا جوهريًّا فيها، وإذا كان الرضا شرطًا في عقد النكاح لا يصح العقد إلا به فإن مَن تزوج امرأة على أنها بكر، ثم بان له أنها بخلاف ذلك عند الدخول بها يكون قد شابَ رضاه عيبًا من عيوب الرضا، وهو التدليس عليه في وصف هذه المرأة عند العقد عليها، ولمَّا كان عقد النكاح لا يدخله خِيَار الرد بالعيب الذي يجده الزوج بزوجته عند الحنفية فإن هذا الزوج الذي دلَّس عليه في بَكارة هذه المرأة لا يملك ردَّها وفسخ عقد النكاح بسبب ذلك، وإنما له أن يطلِّقَها إن شاء، فقد طلَّق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ امرأة لمَّا وجد بها عند الدخول بها عيبًا يكرهه، دُلِّسَ عليه فيه، فقد رُوِيَ “أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تزوج امرأة من بني غِفار، فلما دخل عليها، وقعد على الفراش أبصر بكَشْحها بياضًا، فانحاز عن الفراش، ثم قال لها: خذي عليك ثيابَك، والحقي بأهلكِ، ثم قال لأهلها: دَلَّسْتم عليَّ.. “.

وإذا كان هذا المرض الجِلْدي القابل للعلاج كافيًا بمجرده حال كونه سببًا لتطليق المرأة التي وُجِد بها بعد أن كَتَمَ أهلها حقيقته عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأولى لمَن تزوج امرأة زالت بَكارتها أن يُطلِّقَها لهذا السبب إذا تزوَّجها على أنها بِكر، وأخفت وأهلُها عليه حقيقة زوال هذه البَكارة، باعتبار أنه قد دُلِّس عليه في ذلك، خاصة وأن رضاه بالعقد عليها إنما كان على أنها بكر، ولو كان يعلم بزوال بكارتها قبل إبرام العقد لَمَا أقدم على الزواج منها، فكان له حق التطليق؛ لإنهاء هذا العقد الذي دُلِّس عليه فيه، وإزالة للضرر الذي أصابه من هذه الزيجة، بل إن المالكية والشافعية أجازوا له الرجوع بالمهر على مَن غَرَّر به، وكتم عنه هذا العيب بالمرأة، فقد رُوِيَ عن عمر أنه قال: “أيما امرأة غَرَّ بها رجل.. فلها مهرها بما أصاب منها، وصداق الرجل على مَن غَرَّه”، وهذا يعني أن للزوج المُدَلَّس عليه في هذه الحالة الرجوع على مَن دَلَّس عليه بالصداق المبذول منه. والدعوة إلى إلغاء فقد البَكارة كسبب للطلاق، دعوة إلى التحلُّل الخُلُقي، والتردِّي في الرذيلة، إذ بوُسْع الأنثى المتستِّرة بهذه الدعوة أن تمارِس الفاحشة قبل الزواج ما شاءت، وأن تُعَدِّد من عَلاقاتها الجنسية، لاسيما إذا انعدم الوازِع الديني عندها؛ لأنها تُوْقِن في النهاية أن وُجود البَكارة كعدمه، لا أثرَ له في حياتها الزوجية، ولا يعني شيئًا، وفي هذا من الشر المُستَطِير والفساد البَيِّن ما لا يَخْفى على أحد، نسأل الله العافية.