السؤال:

هل صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي أولا إلى الكعبة ،ثم إلى بيت المقدس ،ثم إلى الكعبة مرة أخرى،لأن هذا كلام لأول مرة أسمعه؟

الجواب:

بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:

كان النبي صلى الله عليه مأمورًا فيما يفعل من أمور الشرع ،قال تعالى :”وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى”،وقد ذكر العلماء أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلى تجاه الكعبة أولاً،ولما هاجر إلى المدينة أمره الله تعالى أن يصلي تجاه صخرة بيت المقدس،ثم نسخ هذا الحكم ،وأمره الله تعالى بالتوجه للكعبة المشرفة.

يقول الشيخ حسنين مخلوف مفتي مصر الأسبق –رحمه الله تعالى-:
اختلف العلماء في هذه المسألة، والأصح أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يصلي حين فرضت عليه الصلاة بمكة متجهًا إلى الكعبة، ولم يَزَل يصلي إليها طول مقامه بمكة على ما كانت عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ كما نقله القرطبي في تفسيره.
ولَمَّا قَدِمَ ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة مهاجرًا أوحى الله تعالى إليه أن يصليَ إلى صخرة بيت المقدس بدل الكعبة فصلى إليها ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا على ما رواه البخاري.

وقال أبو حاتم البستي أحد علماء الحديث: صلى إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام سواء اهـ.

ثم نسخ الله ذلك وأمره أن يستقبل الكعبة في صلاته كما كان بمكة، قال تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).
ومن هذا يُعْلَم أن صلاته بالمدينة إلى الصخرة لم تكن اجتهادًا منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كما نُقِلَ عن بعضهم ،وإنما كانت بوحي من الله تعالى غير مَتْلُوٍّ، وأن النسخ كان بالقرآن. ولذا عده الأصوليون من باب نسخ السنة بالقرآن وقالوا: إن القبلة نسخت مرتين، فاستقبال الكعبة بمكة نسخ باستقبال بيت المقدس بالمدينة، وهذا نسخ باستقبال الكعبة بعد تلك المدة.

ونقل القرطبي إجماع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ بالقرآن، وقد أنكر اليهود النسخ من أصله ليتم لهم ما زعموه باطلًا من أن التوراة غير منسوخة، وطَعَنُوا في الإسلام بتجويزه النسخ وقالوا: إن محمدًا يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه. فأنزل الله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وقوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). والله تعالى أعلم.