السؤال:

أهلي يحاولون إجباري على الزواج،وأنا أخشى أن أتزوج فأظلم زوجتي ،فهل الزواج فرض؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

دعا الإسلام أبناءه إلى الزواج ، وحث على الزواج مبكرًا لمن قدر عليه، ويختلف الحكم في الزواج باختلاف حال الإنسان، فقد يكون واجبًا، وقد يكون حرامًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مستحبًا، يقول الشيخ سيد سابق صاحب كتاب فقه السنة – رحمه الله تعالى -:
الزواج الواجب: يجب الزواج على من قدر عليه وتاقت نفسه إليه ولم يخش العنت .
لأن صيانة النفس وإعفافها عن الحرام واجب، ولا يتم ذلك إلا بالزواج .
قال القرطبي: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزوج، لا يختلف في وجوب التزويج عليه. فإن تاقت نفسه إليه وعجز عن الإنفاق على الزوجة فإنه يسعه قول الله تعالى: )وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) ( سورة النور: 33)
وليكثر من الصيام، لما رواه الجماعة عن ابن مسعود رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ”
الزواج المستحب :
أما من كان تائقًا له وقادرًا عليه، ولكنه يأمن على نفسه من اقتراف ما حرم الله عليه فإن الزواج يستحب له، ويكون أولى من التخلي للعبادة، فإن الرهبانية ليست من الإسلام في شيء .
روي الطبراني عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنفية السمحة “.
وروي البيهقي من حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى ”
وقال عمر لأبي الزوائد: إنما يمنعك من التزوج عجز أو فجور .
وقال ابن عباس: لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج .
الزواج الحرام:
ويحرم في حق من يخل بالزوجة في الوطء والإنفاق مع عدم قدرته عليه وعدم توقانه إليه .
قال القرطبي: فمتى علم الزوج أنه يعجز عن نفقة زوجته، أو صداقها أو شيء من حقوقها الواجبة عليه، فلا يحل له أن يتزوجها حتى يبين لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها .
وكذلك لو كانت به علة تمنعه من الاستمتاع، كان عليه أن يبين كيلا يخدع المرأة .
وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علة تمنع الاستمتاع، من جنون، أو جذام، أو برص أو داء في الفرج، لم يجز لها أن تخدعه، وعليها أن تبين له ما بها في ذلك .
كما يجب على بائع السلعة أن يبين ما بسلعته من العيوب: ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبًا فله الرد. فإن كان العيب بالمرأة ردها الزوج وأخذ ما كان أعطاها من الصداق .
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني بياضة فوجد بها برصًا فردها وقال: دلست علي “.
واختلفت الرواية عن مالك في امرأة التي بها عنة (وهي العجز عن الجماع) إذا أسلمت نفسها، ثم فرق بينهما بالعُنة فقال مرة: لها جميع الصداق وقال مرة: لها نصف الصداق .
وهذا ينبني على اختلاف قوله بم يستحق الصداق ؟ بالتسليم أو بالدخول ؟ قولان .
الزواج المكروه:  ويكره في حق من يخل بالزوجة في الوطء والإنفاق، حيث لا يقع ضرر بالمرأة بأن كانت غنية وليس لها رغبة قوية في الوطء. فإن انقطع بذلك عن شيء من الطاعات أو الاشتغال بالعلم اشتدت الكراهة .
الزواج المباح: ويباح فيما إذا انتفت الدواعي والموانع :
وقد جاء النهي عن التبتل للقادر على الزواج ،فعن ابن عباس: أن رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العزوبة فقال: ألا اختصي ؟ فقال: “ليس منا من خصي أو اختصي” رواه الطبراني .
وقال سعد بن أبي وقاص: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل. ولو أذن له لاختصينا. رواه البخاري .
أي لو أذن بالتبتل لبالغنا حتى يفضي بنا الأمر إلى الاختصاء .
قال الطبري: التبتل الذي أراده عثمان بن مظعون تحريم النساء والطيب وكل ما يتلذذ به فلهذا أنزل في حقه: “يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”.انتهى
وأنت هنا تخشى أن تظلم زوجتك ،فإن تحققت من ذلك، فلا تقدم على الزواج، وإن كان مجرد تخوف، فإن هذا أمر حميد أن تحرص على حقوق من ستتزوجها،وهذا يطمئن عليك أن تعطي زوجتك حقها،فلك أن تتزوج، وإن كان الزواج في حقك غير واجب .
ويقول فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر ـ رحمه الله ـ في كتابه أحسن الكلام في الفتوى والأحكام:

الزّواج في أصله سُنّة الحياة من أجل بقاء النوع الإنسانيّ، وسنة الأديان التي تنزّلتْ على الرسل: (ولَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْواجًا وذُرِّيّة) (سورة الرعد : 38) وقال ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فيما رواه الترمذي “أربعٌ من سُنَن المُرسَلِين: الحِنّاء والتعطُّر والسِّواك والنِّكاح”.
وقد أمر الإسلامُ به مَن استطاعَه، أما غير المُستطيع فلا حَرَجَ عليه، بل يشغل نفسَه بعبادة أخرى حتى لا يقَع في مكروه، قال تعالى: (ولْيَسْتَعْفِفْ الذينَ لا يَجِدونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه) (سورة النور : 33) وقال ـ صلّى الله عليه وسلم ـ “يا مَعشرَ الشّباب من استطاع منكم الباءةَ فليتزوجْ، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرْج، ومن لم يستطِع فعليه بالصوم فإنّه له وِجاء” رواه البخاري ومسلم.
فما دام الإنسان غير مستطيع فلا ذنب عليه، أما إذا استطاع ولم يتزوّج فإن خاف على نفسه الزِّنى وجب عليه أن يتزوَّجَ، وإن لم يخَف كان الزواج بالنسبة له سنة يُثاب عليه ولا يُعاقَب على تَركِه.
ويقول النووي في المفاضلة بين الزواج و تركه: إن النّاس فيه أربعة أقسام:
أ ـ قسم تتوق إليه نفسُه ويجد المُؤن، فيُستحَبّ النّكاح.
ب ـ وقسم لا تتوق ـ أي نفسُه ـ ولا يجد المُؤن، فيُكره النّكاح.
جـ ـ وقسم تتوق ـ أي نفسُه ـ ولا يجد المؤن، فيُكره له، وهذا مأمور بالصّوم لدفع التّوَقان.
هـ ـ وقسم يجِد المؤن ولا تتوق، فمذهب الشافعي وجمهور أصحابنا أن ترك النّكاح لهذا والتخلّي للعِبادة أفضل، ولا يُقال: النكاح مكروه، بل تركه أفضل، ومذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعيّ وبعض أصحاب مالك أن النكاح له أفضل والله أعلم.