السؤال:

هل يُحاسب الحيوان يوم القيامة، ومنه مَن له قِسْطٌ معقول من الذكاء؟؟

الجواب:

يقول فضيلة الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق ـ رحمه الله ـ

اتَّفقت الرسالات السماوية على أن بعْث الإنسان يوم القيامة حقٌّ، وأن مُحاسبته على أعماله في الدنيا حقٌّ، ولا خلاف فيه لأحد من المؤمنين.

أما بعث الحيوانات، من البهائم والطيور، ومُحاسبتها على ما ارتكبت في دُنياها، فقد ذهب إليه جماعة من العلماء قرَّروا بعْثها من قُبورها يوم القيامة كالإنسان، وقَرَّرُوا سؤالها عمَّا فعلت، واستندوا في بعثها إلى مثل قوله ـ تعالى ـ في سورة التكوير: (وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ). (الآية 5 من سورة التكوير) وقوله ـ تعالى ـ في سورة الأنعام (وما مِن دَابَّةٍ في الأرضِ ولا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ). (الآية: 38 من سورة الأنعام)، ويَستندون في مُحاسبتها إلى ما فهموه من قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: “لَتُؤَدَّنَّ الحقوقُ إلى أهلِها يومَ القيامَةِ حتَّى يُقْتَصَّ للشاةِ الجَمَّاء مِن القَرْنَاءِ”. والجمَّاء: التي لا قرن لها تدفعُ به عن نفسها اعتداءَ ذات القرْن عليها. ويقول هؤلاء: إن الله بعد أن يُحقق هذه العدالة العامة في خلْقه على هذا النحو، يقول لها: مُوتى فتَموت، وليس لها جَنَّة ولا نار.

وتَرى طائفةٌ أخرى ـ ذات نظرٍ أعمقَ ـ أن البعْث خاصٌّ بالإنسان المُكلَّف، وأن المُحاسبة والمسئولية خاصانِ به، والآخرة دار جزاءٍ، ولا مُحاسبة إلا حيث التكليف، ولا تكليف لغير الثَّقَلَيْنِ: الإنْسِ والجِنِّ. وإذنْ فلا مُحاسبة للحيوانات ولا بَعْثَ.

أما قوله: (وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ) فالحَشْرُ فيها ليس هو حشر الآخرة، وإنما هو جمْعها لاستيلاء الرُّعْب عليها وقت الاضْطراب العام وانْحلال النواميس الكوْنية، وقد ذُكر هذا الحشْر في حوادث الاضطراب التي تَحدث قبل البعْث بدليل ما قبلها. (وإذا الشمسُ كُوِّرَتْ وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وإذا الجِبَالُ سُيِّرَتْ وإذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ). (الآيات أوائل سورة التكوير). وما جاء بعدها (وإذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ). وكل هذه من حوادث الاضطراب العام الذي يقع قبل يوم القيامة.

أما البعْث فقد ذُكِر بعد ذلك كله بقوله ـ تعالى ـ في السورة نفسها (وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ). إلى قوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ).

أما الحشر في آية الأنعام فهو يرجع إلى المُكذبين لرسالة الرسول المَذكورين قبل الآية وبعدها، أو أن معناه: الهلاك والموت، وهو عامٌّ لكلِّ المخلوقات، ومن ذلك قول العرب في السنة المُجدبة: “حُشرتِ الناسُ، يُريدون: أهلكتْهُمْ”.

هذا وقد قال الإمام الآلوسي في تفسيره: وليس في الباب ـ يُريد مسألة بعث الحيوانات ـ نصٌّ من كتابٍ أو سُنة يُعَوَّل عليه، يدلُّ على حشْر غير الثقلين من الوحوش والطيور. ثم قال: “ومن القريب جِدًّا أن يكون الحديث الذي ذكروه كنايةً عن تمام العدْل، بدليل ما جاء في بعض الروايات من الاقْتصاص من الحجر إذا وقع على الحجر”.

هذا ما قاله العلماء في هذه المسألة ونحن مع أرباب الرأْي الثاني، وهو أنه لا بعث ولا مُحاسبة إلا على مَن ثَبَتَ تكليفه لا لمَن لا يفهم الشرائع والخِطاب بخاصَّة نفسه وطبيعته. كيف وقد خلَقها الله مُسخَّرةً للإنسان فيما تنفعه مِن أكْل وحمْل وحرْثٍ وسائر ما يُحتاج منها؟ أما ما يُرى مِن ذكاء بعض الحيوانات فهو ذكاءٌ لا إرادةَ معه، ولا يعدو نواحيَ خاصَّةً لا تتصل بفَهْم الخطاب ولا مُقتضيات التكليف الإلهي.