السؤال:

هل يجب على التاجر أن يُبَيِّنَ للمُشترى عيوب السلعة التي يريد شرائها مع أنه إذا فعل ذلك سَتَبُورُ السِّلْعَةُ عنده؟

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

يجب على البائع أن يُبين للمشترى ما في السلعة التي يُريد شراءها من العيوب إذا كان بها عيوب ،وكتمانها عنه غِشٌّ وخِداعٌ وتَلْبِيسٌ، وهو مُحرَّم بالإجماع، ففي سُنَنِ ابن ماجه عن عقبة بن عامر ـ رضى الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “المسلم أخو المسلم، لا يَحِلُّ لمُسلم باعَ من أخيه مبيعًا وفيه عيبٌ إلَّا بَيَّنَهُ”

وفي مسند الإمام أحمد عن واثلة ـ رضى الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “لا يحلُّ لأحدٍ أن يبيع شيئًا إلا بيَّن ما فيه، ولا يحلُّ لأحد يعلم ذلك إلا بيَّنه”.

وقد مرَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على رجل يبيع طعامًا فأدخل يده فيه فمَسَّتْ أصابعه بَلَلًا فقال: “يا صاحب الطعام ما هذا؟ “فقال: أصابتْه السماءُ ـ يعنى المطر ـ فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “هَلَّا جعلتْه ظاهرًا حتَّى يراهُ الناسُ، مَن غَشَّنَا فليسَ مِنَّا”.
وفي رواية أنه رأى داخل الطعام طعامًا رديئًا: أيْ: والظاهر منه جيدٌ فقال لصاحبه: “هلَّا بِعْتَ هذا على حِدْتِهِ، وهذا على حِدَتِهِ، مَن غَشَّ المُسلمينَ فليسَ مِنْهُمْ”.

وبيان العيْب من النُّصْح الواجب لكل مسلم على أخيه وهو طريق البركة والنماء في المال وفي الحديث الصحيح: “البَيِّعِانِ بالخِيَارِ مَا لمْ يَتَفَرَّقَا، فإنْ صَدَقَا وبَيَّنَا بُورِكَ لهما في بيْعهما، وإنْ كذَّبَا وكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بيْعِهِمَا”.

وكما يكون الغِشُّ بكِتمان العيْب يكون بخلْط الرديء بالجيد وبيْعهما جملةً تَلَبُّسًا وخِداعًا، ويكون بإدخال الزائف من العُملة ضمْن الجيد لإخفائه، ويكون بإخفاء الثمن المُحدد للسلعة في التسعير عمَّن يَجْهَلُهُ، ويكون في الوزن والكيْل والعدد وفي النوع وفي الوصف، ويكون في غير البيع والشراء من المُعاملات والأقوال والأفعال.

والغِشُّ بجميع صوره وأساليبه خداع وتلبيس واحتيالٌ ومَفْسدةٌ وهو جِماعُ جرائمَ جسيمةٍ ومُحرَّمات فاحشةٍ. فهو خِيانة، والله لا يُحب الخائنينَ. وهو إيذاء ومَضَرَّةٌ، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ”. وهو أكْلٌ للمالِ بالباطل والله ـ تعالى ـ يقول: (ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ). وهو اجتراء على فعل مُضاد لهَدْي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطريقه، نهَى عنه وحذَّر منه بقوله في أبلغ عبارة: “مَن غَشَّنَا فليسَ مِنَّا”. أيْ: “مَن غشَّ المسلمين فليس منهم”.

ولْيَعْلَمِ البائعُ أن كِتمان العُيوب مِن الغِشِّ المُحَرَّمِ وأنه ماحِقٌ للبركة في المال وجالبٌ للخُسران في الدِّين والدنيا وأن البيانَ امتثالًا لأمر الشارع ووقوفًا عند حدود الله وطلبًا للحلال مِن الرِّزْق سيُعوض الله به البائع عن خسارته في الصَّفْقَة المَبِيعة خيرًا كثيرًا، والله ـ تعالى ـ لا يُضيع عملَ عامل فلا يخشى البوار.

ويجب أن يَعلم أن للغِشِّ في التجارة والحلف الكاذب على جَوْدة السلعة وعلى أثمانها وأوصافها ـ ترويجًا لها واستعمال الربا في البيع والشراء وقد حرَّمه الله ـ تعالى ـ تحريمًا قاطعًا، قَلَّتِ الفائدة فيه أو كثُرت ـ آثارًا سيئةً ومُدخلًا كبيرًا فيما يُصيب التجار من الخسائر والنَّكَبَاتِ فلْيَتَّقُوا الله في أنفسهم وأموالهم ولْيَقِفُوا عند الحدود التي حدَّها الله لهم في التعامُل، وهي حُدود واضحةٌ وجليَّةٌ ولا تَحتمل التحايُل ولا التأْويلات الزائفة واللهُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلَى صِرَاطٍ مُستقيمٍ. والله أعلم.