السؤال:

أرجو التكرم بالحديث عن الملكية الفكرية في الإسلام. وهل هي أحتكار أم حق شخصي وتزويدي ببعض المراجع المعينة على ذلك ، وجزاكم الله كل الخير

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أخانا الفاضل أكرمك الله وأعزك ـ وبعد:
فإن المقصود بالحقوق المعنوية أو الحقوق الذهنية ـ كما يسميها البعض ـ ترد على أشياء معنوية غير محسوسة هي من نتاج فكر الإنسان، ومنها حق المؤلف على مصنفه، والقانون الوضعي اعترف بهذه الحقوق، وقرر لها حمايته، ورتب على ذلك لصاحبها حقوقا معنوية ، منها حقه في نسبة نتاجه إليه ، والتفرد بنشره إذا أراد ذلك، الخ كما اعترف بحقه في الاستفادة ماديا من هذا النتاج ، وكل ذلك بشروط معينة .
وقديما لم يتطرق الفقهاء في بحوثهم عن الحقوق، إلى حق المؤلف على ما يصنفه أو يؤلفه ؛ لأنهم ـ كما يبدو لهم ـ لم يروا حاجة لمثل هذا البحث، لعدم تعامل الناس به ، وعدم مطالبة به ، ولكن الأمر اليوم قد اختلف تماما، وأصبح من المتعارف عليه ، والشائع بين الأفراد وأصحاب النتاج الفكري المطالبة بحقوقهم المادية عن هذا النتاج ، ولزوم اختصاصهم به، والتفرد بالتصرف فيه، بما يناسبه من تصرف، كما يتصرفون في موضوع المالية الأخرى.
والنتاج الفكري أو الذهني مثل تصنيف المصنفات ذات الأصالة العلمية أو الابتكار في موضوع أو في العرض أو في التبويب هي من نوع المنافع، وقد اختلف الفقهاء في اعتبار المنافع من الأموال، فقال السادة الحنفية : المنافع لا تعتبر أموالا. واستدل الحنفية على عدم مالية المنافع بأن المال ما يمكن إحرازه وحيازته وادخاره لوقت الحاجة ، والمنافع لا تقبل الحيازة والادخار ؛ لأنها أعراض لا تبقى زمانين بل تحدث آنا بعد آن ، فلا يمكن إحرازها وبالتالي لا تعتبر مالا. ولكن إذا لم تكن بذاتها مالا إلا أنها تصير مالا بالعقد كالإجارة استحسانا لورود النص بذلك وجريان العرف به.
واحتج الجمهور على مالية المنافع بأن المال مخلوق لمصلحة الآدمي، والمنافع كذلك ، وأن حيازة المنافع ممكنة بحيازة أصلها ومحلها ، وبأن الأعيان إنما تكون مالا باعتبار الانتفاع بها ؛ لأن الانتفاع بها هو المقصود فما لا ينتفع به لا يكون مالا؛ فكيف تسلب المالية عن المنافع، ولولاها لما صارت الأعيان أموالا؟!
وأيضا فالشرع الإسلامي أجاز أن تكون المنافع مهرا، والمهر لا يكون إلا مالا بدليل قوله تعالى: { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين } فالمنافع إذن من الأموال ، كما أن العقد يرد على المنافع ، وتصير مضمونة به وهذا آية كونها مالا، إذ لو لم تكن مالا في ذاتها لما صارت مالا بالعقد ؛ لأن العقود لا تقلب حقائق الأشياء بل تؤكد خصائصها.

والراجح : أن المنافع أموال ، وهذا على قول الجمهور ؛ لأن المنافع تعتبر أموالا لما احتجوا به ، وبدلالة الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي ، وفيه : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل : هل معك من القرآن شيء؟
قال : معي سورة كذا وسورة كذا. قال صلى الله عليه وسلم: اذهب فقد أنكحتها بما معك من القرآن” وقد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: “باب التزويج على القرآن وبغير صداق” وقال ابن حجر العسقلاني تعليقا على ترجمة البخاري : “أي على تعليم القرآن صداق مالي” ثم قال ابن حجر بهذا الحديث، واستدل به على جواز جعل المنفعة صداقا ، ولو كان تعلم القرآن ، وبهذا الحديث النبوي الشريف وبغيره من الأدلة ، قال الشافعية والظاهرية والزيدية بمالية المنافع، وكذلك قول الإمام أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه محتجا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولأن تعليم القرآن أو سورة منه منفعة معينة مباحة ، فجاز جعلها مهرا كتعليمها نحوا أو فقها، كذلك قال القائلون بجعل تعليم القرآن مهرا للزوجة، أن يكون المهر تعليمها صناعة معينة أو يعلمها فقها أو لغة او نحوا أو غير ذلك من العلوم الشرعية أو العلوم المباحة.

هذا وقد جرى العرف على اعتبار النتاج الفكري ، ومنه : وضع المصنفات والمؤلفات من المنافع ذات القيمة المالية ، وبالتالي يكون للمؤلف حق مالي ، وحق معنوي على مؤلفه .
حق معنوي : بنسبته إليه وانفراده بحق نشره وتوزيعه ، وحق مالي : يتمثل بقابلية هذا النتاج الفكري للمعاوضة المادية، والعرف يصلح إن يكون مصدرا من مصادر التشريع ما دام لم يخالف نصًا شرعيًا، ولا مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية ، وهو هنا لم يخالف شيئا من نصوص الشريعة الإسلامية ومبادئها، بل يمكن أن يقاس حق المؤلف المادي على نتاجه الفكري ، على حق المعلم فيما يتقاضاه من عوض مادي على إلقائه المحاضرات العلمية والتدريسية ، وكل الفرق أن المعلم يلقي دروسه وتعليمه شفاهة، والمؤلف يضع تعليمه في كتاب مطبوع يتداوله الناس فهو أولى بالعوض المادي من المعلم.

وما دام تبين كون حق المؤلف منفعة ،وبالتالي يعتبر مالا ، والمال يصلح للمعاوضة ، ويؤكد كونه مالا تعامل الناس به واعتبارهم إياه من الحقوق المالية ؛ فإنه يستطيع أن يتعاقد مع الناشر على طبع مؤلفه ، والاتفاق معه على كيفية هذا الطبع ، وعدد المطبوع ومقدار العوض الذي يستحقه ، كما يجوز لولي الأمر أن يضع القواعد التنظيمية لهذا الحق ، وكيفية حمايته، وليس في ذلك ما يخالف الشريعة الإسلامية.

ورد هذا فى كتاب “نظرات فى الشريعة الإسلامية” للدكتور عبد الكريم زيدان .

وبهذا أفتى مجمع الفقه الإسلامى والذي انعقد في دولة الكويت في دورته الخامسة في الفترة من 1 إلى 6 جمادي الأولى 1409/10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م.
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (الحقوق المعنوية) واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.
قرر:
أولاً: الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس لها. وهذه الحقوق يعتد بها شرعًا ، فلا يجوز الاعتداء عليها.
ثانيًا: يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية ونقل أي منها بعوض مالي إذا انتفى الغرر والتدليس والغش باعتبار أن ذلك أصبح حقًا ماليًا.
ثالثًا: حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعًا، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها ..انتهى

وإليك بعض أسماء المراجع :
كتاب” فتاوى فقهية معاصرة”للدكتور سعيد رمضان البوطى وكتاب “نظرات فى الشريعة الإسلامية ” للدكتور عبد الكريم زيدان.

والله تعالى أعلم.