السؤال:

ما حكم الشرع في عملية السمسرة، هل هي حلال أم حرام؟

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
قد أجاز الفقهاء العمل بالسمسرة ما دام السمسار لم يغش أحدا ولم يدلس عليه سواء البائع أو المشتري
يقزل في هذا فضيلة الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق

السمسرة، كما يعرفها الناس، وهي التوسُّط بين البائع والمُشتري لتسهيل البيع، وهي شيء مقصود للناس في حياتهم، وكثيرًا ما يحتاجون إليه، فكمْ من أُناس لا يعرفون طُرق المساومة في البيع والشراء، ولا يعرفون طرق الوصول إلى شراء أو بيْعِ ما يُريدون شراءه أو بيْعه، وكم من أُناس لا تسمح مراكزهم بالنزول إلى الأسواق، والاتصال بالبائعينَ والمشترين، ولا يجدون مَن يقوم لهم بالبيع والشراء حِسْبَةً لوجه الله. ومن هنا كانت السمسرة عملًا شَرْعِيًّا نافعًا للبائع وللمشتري وللسمسار، يُحتاج إليه ككل عملٍ آخرَ يحتاج إليه الناس وينفعهم، وليس فيه ما يُوجب التحريم.

غير أنه يجب على السمسار، ليكون ما يأخذه حلالًا، الإخلاص في التوسُّط، والبُعْد عن التغرير والتدْليس، مما يَحْرُم كسْبه وأُجرته، وبذلك كان الاستئجار عليها إجارةً شرعيةً صحيحة، منفعة معلومة، وأجرة معلومة، وعمل له قيمته بين الناس، وطريقُ كسْبٍ لا شُبهة فيه، فكيف تَحْرُمُ ولا تَحِلُّ؟ وعلى هذا فإن تعاقُد إنسان مع آخر، ليَبيع له أو ليشتري، واتَّفقا على أجر مُعيَّنٍ أو لم يتَّفقَا على الأجر، ولكن كان ببلد التعامُل قانونٌ عام يُحدِّد أُجرة السمسرة، صحَّ ولزِم الأجر المُتَّفق عليه أو المُقرَّر بحُكم القانون، أما إذا أعان شخصٌ شخصًا على البيع أو الشراء دون تعاقُد، ثم طلب منه أجرًا فإن المُحكَّم في ذلك هو العُرف، فإن كان أهل السوق أو البلد الذي يجري فيه التعامُل يعملون بأجرٍ لزِم الأجر، وكما يُحَكَّمُ العُرف في أصل الأُجرة، يُحَكَّمُ في قدْرها. وإنْ كان العُرف لا يجري بذلك في مثل هذه المنفعة، وإنما يجري بالتبرُّع والتعاون. فإنه لا يجب فيه أجر.

هذا. وقد جاء ذِكْرُ السمسار بعنوانه المعروف به عند الناس في كتب المالكية، ضِمْن الأُجراء الذين لا يضمنون ما تحت أيديهم بالتَّلَفِ أو الضياع دون تَعَدٍّ أو تقصير، قالوا: “ولا يضمنُ سِمْسَار خَيِّر” أي ذو أمانة. وجاءت كلمة سمسار مع كلمة “سمسر” في المعاجم اللغوية، وفي بعضها ما يدلُّ على أن هذه العملية كانت معروفة في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا العنوان نفسه: “سمسرة وسماسرة”.

وبهذه المناسبة تُقرر الشريعة حُرمة الاستئجار على كل ما يُحرمه الإسلام، وتبيحه فيما يُبيحه الإسلام وكان فيه نفع للناس، مع تحديد المنفعة والأجر، فالاستئجار على شراء الخمر أو حملها حرام. والاستئجار على رعْي الخنزير وشرائه حرام. والاستئجار على البِغاءِ والرقْص حرام. والاستئجار على النِّياحة وضرْب الدف لمجرد التلَهِّي، الذي يَصُدُّ عن العمل النافع والواجبات الدينية، حرام.
فعلى المسلمين التحرِّي في عُقودهم ومُعاملاتهم، حتى يَسْلَموا من غضب الله وسخطه، ولهم فيما أباحه الله مُتَّسَعٌ عظيم.
والله أعلم