السؤال:

أريد أن أعرف ما هو خطاب الضمان ؟ وما هي الضوابط الشرعية للعمل به ؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد
فيقول الدكتور رجب أبومليح محمد :
يجوز إصدار خطاب الضمان مقابل أجرة فعلية للإصدار والمصاريف الإدارية، وليس مقابل تسليف مبلغ الضمان ومدته سواء كان مغطى تغطية كاملة أم غير مغطى.
والخطاب لغة: من خطب يخطب خطابًا ومخاطبة وهو الكلام بين متكلم وسامع، كما يطلق على الرسالة والضمان من ضمن الرجل ونحوه ضمانًا: كفله أو التزم أن يؤدي عنه ما قد يقصر في أدائه، والضمان: الكفالة والالتزام.

والضمان في اصطلاح الفقهاء: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق، فيثبت في ذمتهما جميعًا، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما، واشتقاقه من الضم، وقال القاضي هو مشتق من التضمين، لأن ذمة الضامن تتضمن الحق، والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: “ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم”قال ابن عباس الزعيم الكفيل.

وأما السنة فما روى عن النبي –ص- أنه قال: “الزعيم غارم.
وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أتى برجل ليصلي عليه فقال هل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران قال : هل ترك لهما وفاء؟ قالوا: لا، فتأخر، فقيل لم لا تصلي عليه؟، فقال: “ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة؟ “ألا قام أحدكم فضمنه”، فقام أبو قتادة، فقال: هما عليّ يا رسول الله، فصلى عليه النبي –صلى الله عليه وسلم.

وأجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة.

وعرفه علماء القانون التجاري بأنه “تعهد كتابي صادر عن البنك بناء على طلب عملية يلتزم فيها لصالح هذا العميل في مواجهة شخص ثالث هو المستفيد بأن يدفع مبلغًا معينًا إذا طلبه المستفيد خلال أجل محدد في الخطاب أو هو” تعهد كتابي يتعهد بمقتضاه البنك بكفالة أحد عملائه في حدود مبلغ معين تجاه طرف ثالث بمناسبة التزام ملقى على عاتق العميل المكفول، وذلك ضمانًا لوفاء هذا العميل بالتزامه تجاه ذلك الطرف خلال مدة معينة على أن يدفع البنك المبلغ المضمون عند أول مطالبة خلال سريان الضمان بغض النظر عن معارضة المدين أو موافقته في ذلك الوقت حالة فشل العميل بالوفاء بالتزاماته تجاه الطرف الثالث أو إخلاله بشروط التعاقد معه.
التكييف القانونى لخطاب الضمان:
اختلف القانونيون في تكييف خطاب الضمان على أربعة أقول:
1 – أنه صورة من صور الكفالة وتنطبق عليه أحكام الكفالة.
2 – أنه يمكن تكييفه على أساس الإنابة القاصرة، وهي تتم إذا حصل المدين على رضاء الدائن بشخص أجنبي يلتزم بوفاء الدين مكان المدين بالإضافة إلى المدين، بحيث يصبح للدائن مدينان بدلاً من مدين واحد.

3 – أن خطاب الضمان يمكن تكييفه على أساس نظرية الاشتراط لمصلحة الغير حيث إن العميل يشترط على البنك دفع مبلغ معين من النقود للمستفيد، فأطراف خطاب الضمان ثلاثة يرتبط اثنان منهما بعقد ويشترط أحدهما لشخص ثالث أجنبي عن العقد أن يكون مستفيدًا.
4 – يرى بعض القانونيين أن خطاب الضمان يمكن تكييفه على أساس الإرادة المنفردة المنشئة للالتزام.

فالالتزام في خطاب الضمان لا ينتج عن تلاقي إرادتين، بل عن إرادة مصدر الضمان الذي لا يستطيع التذرع بأي سبب للتحلل من التزامه الذي أفرغه في الخطاب الذي وجهه إلى المستفيد، وقد لوحظ على هذا التكييف أن خطاب الضمان يتضمن مدينًا ودائنًا، ولا بد من وجود إرادة لهذا الدائن، وهذا توافق إرادتين ، كما أن الآثار القانونية للعقد ليست من تشكيل الإرادات المكونة له منفردة، بل هي أثر امتزاج وتفاعل تلك الإرادات عند إنشائه.
التكييف الفقهي لخطاب الضمان:
اختلف الفقهاء المعاصرون حول خطاب الضمان –كما اختلف القانونيون- إلى خمسة آراء:
1 – ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أن خطاب الضمان كفالة، وممن ذهب إلى ذلك الدكتور الصديق الضرير، وبكر أبو زيد، واستدلوا لذلك بأن تعريف كل من خطاب الضمان والكفالة في الفقه الإسلامي متفقان من حيث المعنى وهو التزام الشخص مالاً واجبًا على غيره لشخص ثالث.

2 – ذهب بعض الباحثين إلى أن خطاب الضمان وكالة وممن ذهب إلى ذلك الدكتور سامي حمود حيث قال بعد أن أورد نصوص بعض الفقهاء “ويتبين من هذه الباقة من الآراء المختارة من مذاهب الفقه الإسلامي، أن خطاب الضمان المصرفي بعلاقاته المتعددة وغاياته المختلفة يستطيع أن يجد له مكانًا في إطار الفقه الإسلامي الخصيب، وأن تكييف خطاب الضمان المصرفي على أنه وكالة لا يبدو متباينًا مع نظرة الفقه الإسلامي للموضوع في نطاق الكفالة التي يرجع فيها الكفيل بما يدفع على من أمره بذلك تمامًا، كما يرجع الوكيل لأن الكفالة بالأمر ما هي إلا وكالة بالأداء.

3 – ذهب بعض الباحثين إلى أن خطاب الضمان يمكن تخريجه على قاعدة الخراج بالضمان وممن ذهب إلى ذلك عبد الحميد البعلي حيث قال: “وفي هذا الخصوص أود أن أشير إلى حديث “الخراج بالضمان”(1) وهل في معناه متسع لمقابل ظاهر أو جزاء عادل إذا قلنا إن من يتحمل تبعية ضمان شيء لو تلف يكون من حقه أن يحصل على منفعة من الشيء المضمون، فالمنفعة مقابل الضمان في هذه الحالة، ويجري الاجتهاد حول الأساس العادل لتحديد ذلك المقابل، أو الجزاء لاشتراك البنك وعميله في المنفعة، ففي الحديث وقواعد الفقهاء متسع للمسألة، ومن قواعد الفقهاء في معنى الحديث الشريف ما قاله شريح بن الحارث الكندي “من ضمن مالاً فله ربحه.

4 – ذهب بعض الباحثين إلى أن خطاب الضمان جعالة وممن ذهب إلى ذلك السيد محمد باقر الصدر حيث قال يعتبر خطاب الضمان من البنك تعهدًا بوفاء المقاول بالشرط، وينتج عن هذا التعهد نفس ما ينتج عن تعهد طرف ثالث بوفاء المدين للدين، فكما يرجع الدائن على هذا الثالث إذا امتنع المدين عن وفاء دينه، كذلك يرجع صاحب الحق بموجب الشرط إلى البنك المتعهد إذا امتنع المشروط عليه من الوفاء بالشرط، ولما كان تعهد البنك وضمانه للشرط يطلب من الشخص المقاول، فيكون الشخص المقاول ضامنًا لما يخسره البنك نتيجة لتعهده، فيحق للبنك أن يطالبه بقيمة ما دفعه إلى الجهة التي وجه خطاب الضمان لفائدتها، ويصح للبنك أن يأخذ عمولة على خطاب الضمان هذا، لأن التعهد الذي يشتمل عليه هذا الخطاب يعزز قيمة التزامات الشخص المقاول، وبذلك يكون عملاً محترمًا يمكن فرض جعالة عليه، أو عمولة من قبل ذلك الشخص.

5 – ذهب بعض الباحثين إلى أنه وكالة إذا كان خطاب الضمان مغطى تغطية كاملة من قبل العميل، وكفالة إذا كان غير مغطى، وأما إذا كان مغطى تغطية جزئية فإنه وكالة في الجزء المغطى وكفالة في غير المغطى وممن ذهب إلى ذلك الدكتور علي السالوس.

رأي مجمع الفقه الإسلامي:
قد رجح مجمع الفقه الإسلامي القول الخامس حيث جاء في الدورة الثانية المنعقدة في جدة 1.-16 ربيع الثاني 14.6هـ الموافق 22-28/12/198.م ما يلي:
1 – أن خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والنهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاء أو بدونه، فإن كان بدون غطاء فهو ضم ذمته إلى غيره فيما يلزم حالاً أو مالاً، وهذه هي حقيقة ما يعني في الفقه الإسلامي باسم الضمان أو الكفالة وإن كان خطاب الضمان بغطاء فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مصدره هي الوكالة، والوكالة تصح بأجر مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد (المكفول له).

2 – إن الكفالة هي عقد تبرع يقصد للإرفاق والإحسان وقد قرر جمهور الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة، لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جر نفعًا على المقرض وذلك ممنوع شرعًا، ولذلك فإن المجمع قرر ما يلي:
أولاً: أن خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان (والتي يراعى فيها عادة مبلغ الضمان ومدته) سواء كانت بغطاء أو بدون بغطاء.

ثانيًا: أما المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه فجائزة شرعًا مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل، وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي يجوز أن يراعي في التقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء.

وبناء على ما سبق يجوز إصدار خطاب الضمان من قبل البنك الإسلامي مقابل أجرة فعلية للإصدار والمصاريف الإدارية، وليس مقابل تسليف مبلغ الضمان ومدته سواء كان مغطى تغطية كاملة أم غير مغطى
والله أعلم.