السؤال:

هل يجوز بناء دورين على المقابر بارتفاع على الأرض؛ لدَفْن الموتى فيه، كما بدأ الناس الآن يفعلون؟ 

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

وردت أحاديث صحيحة في النهي عن البناء على القبر.

ففي صحيح مسلم عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يُجَصَّص القبر، وأن يُبنى عليه، وأن يُقعَد عليه.

وأخرج ابن ماجة بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ نهى أن يُبنى على القبر وأخرجه أبو يعلى بسند رجاله ثِقات عن أبي سعيد الخدري قال: نهى نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يُبنى على القَبور، أو يُقعَد عليها، أو يُصلَى عليها.

والله ـ عزَّ وجَلَّ ـ يقول: (مِنْها خَلَقْنَاكُمْ وفِيهَا نُعِيدُكُمْ ومِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) { طه: 55} أي من الأرض مَبدؤُكم فإنَّ أباكم آدم مخلوق من تُراب من أديم الأرض، وفيها نُعيدكم أي وفيها تُقْبَرون إذا متم، ومنها نُخرجكم في البعث تارة أخرى.

وروى أبو داود بإسناد صحيح في البيهقي أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نَهى أن يُبنَى على القبر أو يُزاد عليه، وقد بَوَّب على هذه الزيادة البيهقي فقال: “باب لا يُزاد على القبر أكثر من ترابه لئلاَّ يرتفعَ” وظاهره أن المراد بالزيادة عليه الزيادة على ترابه، واستدلَّ به الشافعية على ذلك، وحكى النووي عن الشافعي ـ رحمه الله ـ أنه قال: يستحَبُّ ألا يزاد القبرُ على التراب الذي أخرج وقال آخرون في معنى هذا الحديث: المراد بالزيادة عليه أن يُقبَر فيه على قبر ميِّت آخر.

وإجماع الأمة منعِقد من لدن عصر النبوة إلى عصرنا هذا خلفًا وسلفًا على أنَّهم لم يَقبُروا الموتى إلا في باطن الأرض، ولم يُعرف أنهم دفنوا موتاهم في بناء على وجه الأرض. ولكلِّ هذا أرى أنه لا يجوز أن يُبنى دور ثان للقَبْرِ ليُقْبَر فيه الموتى فوق الأرض.

وقد يتعلَّل بعض الناس بأن المقابر محدودة، وقد يدفَن ميت، ثم يُحتاج إلى دفن ميِّت آخر في القبر نفسه بعد مدة وَجيزة فلا يستطاع ذلك لعدم تحلُّل الجُثَث، ونقول: إن حلَّ ذلك أن تتسامح الأُسَر فيما بينها، بحيث يمكن أن يدفَن ميت في قبر آخر من غير مقابر أسرة المتوفَّى وهذا هو الأساس في مقابر المسلمين ألا يختصَّ قبر بأسرة معيّنة أو بميت معين، كما هو الشأن في مقابر مكَّة والمَدينة.

وقد تدعو ضرورة أخرى للارتفاع بالقبر إذا كان تصل إليه المياه الجوفية، فعندئذٍ يمكن أن يُرتفع بالقبر بالقدر الذي يترفع به عن هذه المياه، لكن لا يُبنى عليه بما يرفعه على وجه الأرض، بحيث يدفَن الميت على وجه الأرض، ويُقبر الميت مرتِفعًا عن وجه الأرض لا في باطنِها.

والله أعلم .