السؤال:

الأصل أن ميراث المرأة نصف ميراث الرجل، وبعض المستشرقين يأخذون مثل هذا ذريعة لادعاء أن المرأة قد ظلمها الإسلام. وقد سمعنا أن المرأة ترث أحيانا مثل الرجل، وفي أحيان أخرى أكثر منه، فما رأيكم؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فمن المجالات التي تفترق فيها المرأة عن الرجل بعد أن كان الأصل هو المساواة بينهما؛ نصيب المرأة في الميراث، وكانت المرأة قبل الإسلام محرومة تماماً من هذا الحق، ولما جاء الإسلام جعل لها نصيباً في قوله تعالى: ” لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا” [النساء/7] ثم تولى سبحانه وتعالى بيان هذا النصيب واختلافه فيما إذا كانت المرأة ابنة واحدة أو ابنتين أو معها أخوها أو أما أو زوجة أو أختا؛  فإن كان معها ابن للمتوفى في درجتها فإنها تأخذ نصف نصيبه لقوله تعالى: ” يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ” [النساء/11] وإن كانت واحدة فلها النصف، وإن كانتا اثنتين فأكثر فلهن الثلثان.

 أما إن كانت زوجة ولها أبناء من زوجها أو له أبناء من غيرها فلها الثمن، وعند عدم وجود الأبناء لها الربع وهكذا. وقد ترث المرأة مثل الرجل في حالتين هما:-
إن مات وترك أما وأبا وابنا ذكرا، فإن لكل من الأم والأب السدس؛ لقوله تعالى: ” وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ” [النساء/11] كما أنَّ المتوفى لو كان كلالة أي لم يترك فرعا وارثا ولا أصلا وارثا وترك إخوة من الأم فإن الأخ من الأم يأخذ مثل الأخت من الأم وهو السدس؛ لقوله تعالى: ” وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ” [النساء/12]

وقد ترث المرأة أكثر من الرجل في حالة ما لو ترك ابنتين وأخا، فإنَّ البنتين تأخذان الثلثين، والأخ يأخذ الباقي وهو الثلث، وقد تحجب المرأةُ الرجل كما لو ترك بنتًا وأختًا شقيقة وأخا من الأب فإن البنت تأخذ النصف فرضا، والأخت الشقيقة تأخذ الباقي تعصيبا مع الغير، ولا يأخذ الأخ من الأب شيئاً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : “اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة”[1] وهكذا فإن نصيب البنت يختلف من حالة إلى أخرى، والأصل في التعصيب وهو أن يأخذ الرجل ضعف الأنثى عندما تتساوى درجة القرابة كابن وابنة وأخ وأخت، ولا بد أن نؤكد أن هذا التوزيع من لدن حكيم خبير غني عن عباده راعى فيه توزيع الأعباء الاجتماعية على كل من الرجل والمرأة، فالرجل هو المسؤول عن الإنفاق على الأسرة من دفع للمهر ونفقة للزوجة ومؤخر للصداق وأجرة للرضاعة. والمرأة معفية تمامًا من هذه المسئوليات، ولا تساهم فيها إلا بطيب خاطر منها وبرغبتها.

 ومن هنا فإن الله سبحانه وتعالى منذ أن خلق آدم وحواء جعل لكل منهما دوره في الحياة، ففي سورة طه يقول سبحانه: “فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى” [طه/117-119] فلم يقل سبحانه: فتشقيا، وإنما نسب الشقاء إلى الرجل وحده والمرأة منزهة عن الشقاء، ومن هنا فإن المرأة لو احتفظت بنصيبها الذي هو أقل من نصيب أخيها؛ فإنه سيعود لها ما نقص منها، وستكون أسعد حظا من أخيها الرجل.

والله أعلم.

[1] فلم أقف على حديث بهذا اللفظ، فيما بين يدي من مراجع، وإن كان معناه صحيحا بل بوَّب البخاري بابا في صحيحه بعنوان: باب مِيرَاثِ الأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةً ذكر فيه حديثا عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَضَى فِينَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – النِّصْفُ لِلاِبْنَةِ وَالنِّصْفُ لِلأُخْتِ . ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ قَضَى فِينَا . وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم .
وكذلك فعل ابن حباَّن في صحيحه، وجاء في سنن الدارمى عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَجْعَلُ الأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةً ، لاَ يَجْعَلُ لَهُنَّ إِلاَّ مَا بَقِىَ.

وقال القرطبي:
الجمهور من العلماء من الصحابة والتابعين يجعلون الأخوات عصبة البنات وإن لم يكن معهن أخ، غير ابن عباس؛ فإنه كان لا يجعل الأخوات عصبة البنات، وإليه ذهب داود وطائفة.أهـ

 د: محمد سعدي.