السؤال:

هل عبارة “استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك” هل هي من قول الرسول -صلي الله عليه وسلم – أم من قول الإمام علي ؟
وهل معني هذا أن نتجاهل فتاوى العلماء! ونتبع ما نشعر أنه حلال ؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

عن وابصة بن معبد رضي اللّه عنه: أنه أتى رسولَ اللّه صلى اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: “جِئْتَ تَسألُ عَنِ البِرّ وَالإِثْمِ؟ قال: نعم، فقال: “اسْتَفْتِ قَلْبَكَ: البِرُّ ما اطْمأنَّت إِلَيْهِ النَّفْس وَاطْمأنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، وَالإِثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وَإنْ أفْتاكَ النَّاسُ وَأفْتَوْكَ”. قال النووي في رياض الصالحين: حديث حسن رويناه في مسندَيْ أحمد والدارمي وغيرهما.
وعليه فهذا الكلام صدر عن مشكاة النبوة من رواية الصحابي الجليل وابصة بن معبد الأسدي رضي الله عنه، وليس من كلام الإمام علي رضي الله عنه، ولايفهم من هذا الحديث أن يترك المرء قول العلماء، ومايفتون به من حلال وحرام، وما وافقوا به أوامرالشرع الحكيم؛ اعتماداً على قلبه.

وقد هاجم الحافظ ابن حجر في فتح البارى من يرفض أوامر الشرع اعتمادا على قلبه ، فقال:
ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة فقالوا : إنه يستفاد من قصة موسى والخضر أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والأغبياء, وأما الأولياء والخواص فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم, ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم, لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغيار، فتنجلي لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات ويعلمون الأحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات, كما اتفق للخضر, فإنه استغنى بما ينجلي له من تلك العلوم عما كان عند موسى, ويؤيده الحديث المشهور: ” ‏‏ استفت قلبك ‏ وإن أفتوك”.

قال القرطبي : وهذا القول -يعني أخذ الأحكام من القلب دون اعتبار لماجاء به الأنبياء والعلماء- زندقة وكفر; لأنه إنكار لما علم من الشرائع , فإن الله قد أجرى سنته وأنفذ كلمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه المبينين لشرائعه وأحكامه , كما قال الله تعالى : ( الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس )، وقال : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) وأمر بطاعتهم في كل ما جاءوا به , وحث على طاعتهم والتمسك بما أمروا به فإن فيه الهدى . وقد حصل العلم اليقين وإجماع السلف على ذلك , فمن ادعى أن هناك طريقا أخرى يعرف بها أمره ونهيه، غير الطرق التي جاءت بها الرسل، يستغني بها عن الرسول، فهو كافر يقتل ولا يستتاب . قال : وهي دعوى تستلزم إثبات نبوة بعد نبينا ; لأن من قال إنه يأخذ عن ‏‏ قلبه ؛‏ لأن الذي يقع فيه هو حكم الله وأنه يعمل بمقتضاه من غير حاجة منه إلى كتاب ولا سنة فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم : ” إن روح القدس نفث في روعي ” . قال : وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال : أنا لا آخذ عن الموتى , وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت،
وكذا قال آخر : أنا آخذ عن ‏‏ قلبي ‏ عن ربي، وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع.
انتهى مختصرا من فتح الباري لابن حجر العسقلاني
ونسأل الله الهداية والتوفيق .


الوسوم: ,