السؤال:

ما مكانة الحج في الإسلام، وما الحكمة من تشريعه؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
فللحج مكانة عظيمة في الإسلام، حيث إنه الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو مدرسة يتربى فيها المسلم على الطاعة والتجرد لله والخروج من شهوات النفس ومتع الدنيا وزخارفها، كما تتعلم فيها الأمة كلها الترابط والاتحاد والتناصر وغير ذلك من الدروس.

يقول فضيلة الشيخ جاد الحق – رحمه الله – شيخ الأزهر السابق:

‏ قال الله تعالى {‏ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين.فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين }‏[ آل عمران ‏96، ‏97 ]، وهذه الفريضة من أركان الإسلام الخمسة التي بينها الرسول صلوات الله وسلامه عليه في حديث (‏ بنى الإسلام على خمس )‏، وقد فرض مرة واحدة في العمر على كل مسلم ومسلمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‏ يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت صلى الله عليه وسلم حتى قالها ثلاثًا ،ثم قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم )‏ .‏

والحج هجرة إلى الله تعالى استجابة لدعوته وموسمًا دوريًا يلتقي فيه المسلمون كل عام على أصفى العلاقات وأنقاها ليشهدوا منافع لهم على أكرم بقعة شرفها الله.‏

وعبادات الإسلام وشعائره تهدف كلها إلى خير المسلمين في الدنيا والآخرة، ومن هنا كان الحج عبادة يتقرب بها المسلمون إلى خالقهم، فتصفوا نفوسهم، وتشف قلوبهم فيلتقون على المودة، ويربط الإيمان والإسلام بينهم رغم تباعد الأقطار واختلاف الديار، إذ إن من أهداف الإسلام جمع الكلمة وتوجيه المسلمين إلى التدارس فيما يعينهم من شئون الحياة ومشاكلها اقتصادية وسياسية واجتماعية.‏

والقرآن والسنة يرشدان المسلم إلى أن يجعل حجه لله وحجه امتثالاً لأمره وأداء لحقه ووفاء لعهده وتصديقًا بكتابه.‏
ومن أجل هذا وجب على الحاج أن يخلص النية لربه فيما يقصد إليه، وألا يبتغى بحجه إلا وجه الله تعالى.‏

ومن مظاهر الإخلاص في الحج وحسن النية أن يرد ما عليه من حقوق لأصحابها إن استطاع، والتوبة إلى الله بإخلاص مع الاستغفار، وتسليم الأمر إليه إن عجز عن الرد، وأن يترضى أهله، ويصل رحمه، ويبر والديه، قال تعالى {‏ وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولى الألباب }‏ [البقرة ‏ 197].انتهى كلام الشيخ جاد الحق.

وفي الحج يظهر التجرد من الدنيا، حيث يضحي المسلم بماله ووقته وصحته، غير راغب في متاع من الدنيا، طامعا في كرم موالاه أن يرجعه بحج مبرور، وذنب مغفور.

وفي الحج تظهر وحدة الأمة وتماسكها، وأن المسلمين يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، فالكل يؤدي شعائر واحدة، ويتوجهون وجهة واحدة راجين القبول من الله تعالى .

وفيه المساواة ، ذلك المبدأ الإسلامي الرفيع، فلا فرق بين عظيم وحقير، أو كبير وصغير، فالكل سواء ، ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح.

وفي الحج تربية للنفس، وتهذيب لها، وترقيق للقلوب، بالانصياع لأوامر علام الغيوب، وستار العيوب، وخروجا عن عادات ألفتها، من حب الدنيا وشهواتها، واللهث وراءها ، فتتعلم النفس أن تكون عند حدود الله وقافة، طائعة ، راضية بما يقدر.

وفي الحج تجسميم لحضارة الإسلام، فيتذكر المسلم عند أداء الشعائر أبانا إبراهيم، وابنه إسماعيل،وأمنا هاجر، فيعلم أن المسلمين يرجع تاريخهم إلى أبي الأنبياء إبراهيم ، وغير ذلك من المعاني السامية التي يستشعرها الحاج خلال رحلة الشوق إلى الله تعالى.
والله أعلم