السؤال:

إن شركة إسمنت احتاجت إلى / 75 / ناقلة لمنتوج مصنعها من الإسمنت السائب على السكة الحديديّة إلى حيث يُعَبَّأ، ثم يوزَّع مُعَبَّأً في أنحاء الدولة، فاشترت هذه الناقلات بطريق المناقَصة من الجهة الصانعة بطريق الاستصناع، ثم ثَقُل عليها الثمن ـ فيما يبدو ـ فلجأت إلى بعض البنوك الإسلاميّة ليحلَّ محلَّها في شراء هذه النّاقلات من مصنعها بثمن قدرُه ثلاثة ملايين دولار، يدفعها للمصنع البائع على خمسة أقساط في عام 1979، ويؤجِّرها من شركة الإسمنت (المشتري في الأصل) بأجرة سنوية قدرها / 320 / ألف دولار لمدة خمس سنوات تبدأ من 31/12/1979، بشرط أن تلتزم الشركة المستأجِرة بشراء هذه الناقلات في نهاية مدة الإيجار بحالتها التي تكون عليها إذ ذاك بعد الاستعمال بمقدار ثمنها ذاته؛ الذي اشتراها به المُؤَجِّر (البنك الإسلامي) من المصنع للصانع، أي: ثلاثة ملايين دولار تُدفع في نهاية مدة الإيجار، أي في: 31/12/1984 مع آخر قسط من الأجرة. وقد تضمَّنت هذه الاتفاقيّة مواصفاتٍ وتفصيلاتٍ وشروطًا كثيرة بين الطرفين في خمس عشرة صفحة.

الجواب:

هذه الاتفاقيّة غريبة الوضع والتركيب: فعنوانها عقد إيجار مُعِدّات، ولكنها لا تنطبِق على قواعد الإيجار في شيء! فهل هي غِطاء لمُعاملةٍ أخرى؟
سأُبيِّن فيما يلي أهمَّ الملاحظات البارزة، تارِكًا كثيرًا من الجزئيات التي ليست ذات شأن كبير وذلك على أساسين:
(أولاً) على أساس أنها حقيقة عقد إيجار مُعِدّات للنَّقل.
(ثانيًا) على أساس أنّها معاملة من نوع آخر مُغطّاة بصورة إيجار.
(أولا) ملاحظات على أساس الإيجار.
1 ـ إن ظاهر هذه الاتفاقيّة أنها في قوة ثلاثة عقود لا عقدٍ واحد، فهي: أولاً: في قوة بيع صادر من المشتري الأول لهذه المُعِدّات (وهو شركة الإسمنت) لمصلحة المُشتري الجديد (البنك الإسلامي)، يحلُّ فيه الثاني محلَّ الأولِ في امتلاك هذه المعدات وتسلمها من صانعها (البائع الأول)، وفقًا للمواصفات المشروطة.
وثانيًا: هي في الوقت نفسِه إيجار هذه المٌعِدات من مُشتريها الثاني لمشتريها الأول (الشركة) بأجرة محدّدة لمدة خمس سنوات.
وهي ثالثًا: بيع مشروط في عقد الإيجار المذكور، يلتزم فيه المستأجِر (المشتري الأول) بأن يشتريَها ثانية من المؤجِّر (البنك) في نهاية مدة الإيجار بعد استعمالها خمس سنوات، بثمنها الذي أدّاه المُشتري الثاني (البنك) إلى الصانع البائِع الأول وهي جديدة.
هذه العقود الثلاثة متداخِلة بعضُها في بعض، وواردة في صورة شروط في عقد الإيجار.
وبقطع النَّظر عمّا في تداخل العُقود، باشتراط عقد ضمن عقد من وجهة نظر الفقه الإسلامي، هذا الأسلوب التعاقديّ الذي ينطبِق عليه في نظر فقهاء المذاهب ما ثبت عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من النهي عن صَفقتينِ في صفقة(1). (رغمًا عن اختلافهم في تفἀسيره) يُلحظ علاوة على ذلك أن الشِّراء الجَديد الثاني لم يكن مستقِلًّا منفصِلًا عن الأول الذي بين الشركة والصانع، وإنما جعل حُلولًا مشروطًا في عقد الإيجار يحِلُّ فيه البنك محلَّ الشركة تجاه البائع الأول الصانع، وفي هذه الحال يجب أن يكون الاتفاق ثلاثي الأطراف، يدخل فيه البائع الأول؛ لأنه ليس مسؤولًا تجاه المشتري الجديد، وهو البنك، بمقتضَى أنّه غير بائع له ولا علاقة بينه وبينه، فلكي يحلَّ البنك في مواجهته محلَّ الشركة المُشترية منه، ويصبح مسؤولاً تجاه البنك عن المَبيع بدلاً من المشتري الأصلي يجب موافقة الصانع البائع، وعندئذٍ يكون تخريج ذلك فقهًا أنه فسخ، وإقالة للبيع الأول بين طرفيه (الصانع والشركة)، وبيع جديد بين الصانع والبنك، وبذلك ينحلُّ البيع الأول ويقوم البيع الثاني، ويكون الصانع مسؤولًا تِجاه المشتري الجديد (البنك) بكلّما يحمله البائع من التزامات تجاه الُمشتري وبالعكس.
ولكن الصانع بمقتضى هذه الاتفاقية الثُّنائيّة بَقِيَ بمعزِل عنها، فلا يمكن شرعًا جعله مسؤولاً بشيء تجاه البنك. ذلك أن هذه الصفقة بين الشركة والصانع هي في الأصل عقد استصناع، وفيه لا يجوز للمستصنِع أن يَبيع المصنوع قبل صُنعه وقبضه من آخر، ولا يُصبح الصانع بذلك مسؤولاً تجاه المشتري الجديد الذي لم يتعاقَد معه.
2 ـ يتضح مما سبق بيانُه أن البنك عند عقد الإيجار مع الشركة لم يكن مالكًا للمأجور بالوجه الشرعي، فكيف يؤجِّر ما لم يملِكه بعد. والخطأ في الموضوع هو في عدم سلوك الطريق الأصولي للوصول إلى المقصود، إن كان المقصود هو شراءً وإيجارًا حقيقيين.
3 ـ جاء في آخر مقدّمة الاتفاقيّة: “أنه في حالة حدوث تعارض بين أحكام عقد البيع وأحكام هذا العقد ترجَّح هذه الأخيرة…”.
فبقطع النظر عما في هذه العبارة من ركاكة وخطأ تعبير ظاهرين، يُلحظ أنه لا يجوز فقهًا ولا قانونًا ولا عقلاً المراجَحة عند التَّعارُض بين عَقدين من نوعين مختلِفين في طبيعتهما وأحكامهما الشرعيّة والقانونيّة.
فالترجيح عند التعارُض يُمكن أن يتصوَّر بين عقدي بيع، أو بين عقدي إيجار، أو عقدي صلح مثلًا كلاهما من نوع واحد، فعند تعارُض الالتزامات المشروطة ما بين أحدهما والآخر، يمكن أن يُتَّفق على ترجيح ما في أحدهما على الآخر.
أما بين إيجار وبيع فكيف يمكن ذلك، ولكلٍّ من العقدين قواعده وآثاره الشرعيّة والقانونيّة المستقِلّة والمختلِفة، وما يُمكن أن يُشرَط في أحدهما لا ينطبِق على الآخر.
فالبيع مثلًا ينقل الملكيّة في العين، والإجارة لا تنقلها وإنما تملك المنفعة، والبيع لا يقبل التوقيت لملكيّة البيع، والإجارة لا تصحُّ بلا توقيت.
4 ـ جاء في آخر المادة الأولى من الاتفاقيّة شرط لمصلحة المؤجِّر يقضي بجعل جميع نفقات التسليم وما إليه، وجميع الرسوم الجمركيّة وسواها على عاتق المستأجِر.
إن قبول هذا الشرط في عقد إيجار لا تقبله القواعد الشرعيّة، وليس هو منطقيًّا بذاته في عقد إيجار حقيقي!
فهذه النَّفقات من تَوابِع الملكيّة، وهي على عاتق المالك، ولا سيّما الرسوم الجمركيّة، فهي من صميم كُلفة المالك، وتحسب في ثمن الشيء عند بيعه، فلا علاقة فيها للمستأجِر من قريب أو بعيد، فشرط جعله عليه هو كشرط إلزامه بجزء من قيمة المأجور، وهذا عكس مقتضى عقد الإجارة، فإن المالك المؤجِّر فيها ملزَم بتهيئة المأجور كاملاً صالحًا للاستعمال على حسابه هو ونفقته، حتى إن صيانة المأجور ونفقتها التي يحتاج إليها نتيجة الاستعمال المعتاد (وليس من سوء الاستعمال)، ويتوقّف عليها استمرار كمال الانتفاع بالمأجور، هي أيضًا على المالك المؤجِّر، بمقتضَى أنه ملزَم بتسليم المأجور للمستأجِر صالحًا للاستعمال كامل المنفعة المأجور لأجلها طِوال مدّة الإجارة. فلو توهَّن مثلًا سطح المنزل المأجور فإصلاحه على المالك. على أنّه قد يمكن فقهًا قَبول شرط نفقات بعض أنواع الصيانة على المستأجر. أما الرسوم الجمركيّة فهي من تتمة الملكيّة، والنظر فيها يختلِف عن نفقات الصِّيانة الدوريّة الاستهلاكيّة. فاشتراطُها على المستأجِر يقلِب موضوع العقد، ولا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الرسوم الجمركيّة لا ضابِط لمقدارها، بل تتبع سياسة وإرادة المشرع الجمركيّ، فقد تكون نسبة ضئيلةً من القيمة فتصبح بين عشيّة وضحاها بجَرّة قلم أضعافًا مضاعَفة من القيمة، لسببٍ ما كالحماية، أو الحدِّ من الاستيراد مثلاً.
5 ـ المادة (2) من الاتفاقية جعلت من التزامات المستأجر أنه يتحمَّل جميع المخاطِر والمسؤوليات المتعلِّقة بحالة أو استعمال المُعِدّات على عاتِق المستأجِر “فيما عدا حقِّ الرجوع على الصانع طبقًا لما هو محدَّد في المادة / 11”.
ويُلحظ هنا أن حقَّ الرجوع على الصانع البائع هو للمشتري (هو البنك) وليس للمستأجِر، فكيف يُستثنى من التزامات المستأجِر؟! تصوُّر غير سَديد ولا مفهوم.
وبالرجوع إلى المادة / 11 / المُحال عليها، نَراها تنصُّ على: أن المؤجِّر مفوِّض للمستأجِر في الرجوع على الصانع إذا ظهر ما يوجِب الرجوع عليه.
وحينئذٍ هو في هذا الرجوع نائب لا أصيل، بدليل أن المادة المذكورة جعلت ما يحكم به في هذه الحال على الصانع حقًا للمؤجِّر لا للمستأجِر، فكيف يُستثنى من التزامات المستأجر؟
على أن في هذه المادة / 11 / المُحال عليها أمرًا أغرب من هذا، وهو ما جاء فيها بالحرف الواحد: “وفي جميع الأحوال يُلْزِمُ ـ أي: المستأجِر ـ بتعويض المُؤجِّر عن كل ذلك”.
فلماذا يعوِّضه؟ إن المؤجِّر أخلَى نفسه من كل مسؤوليّة حتى عن نقص المعِدات، وكل ضَرر يحصل، ولو من إهمال الصانع، قد جعل على عاتق المستأجِر، فأضرار المستأجِر نفسِه كيف يلتزم بتعويض المؤجِّر عنها؟ غير مفهوم !
6 ـ جاء في المادة (3) من الاتفاقية تحت نتائج عدم التسليم ما يلي:
“في حالة عدم التسليم الجزئي للمُعِدات تستحقُّ الأجرة وثمن المَبيع للمؤجِّر في الآجال المُتَّفق عليها”.
وهذا مقتضاه: أنه إذا سلَّم الصانِع نصفَ المُعِدّات ـ مثلًا ـ ولم يسلِّم الباقيَ يَبقَى المستأجِر ملتزِمًا بأداءِ الثّمن لِما لم يسلَّم وأداء الأجرة عنه أيضًا، فكيف يَقبل هذا شرعًا أو قانونًا أو عقلاً؟! وأي قاعدة قانونيّة يقوم عليها هذا العقد من قواعد البيع أو الإيجار.
وكيف يُقبل من البائع أن يستحقَّ الثمن دون تسليم المَبيع، أو من مُؤَجِّر أن يستحقَّ الأجرة دون تسليم المأجور؟.
إن هذا الشرط أشبهُ بالشروط التي يُمليها الغالبُ على المغلوب في الحروب، لا بالشروط التعاقديّة في ظِلّ تَشريع ينظّم الأحكام الأساسيّة في العقود على أساس الحقِّ والعدل، ويخضع لها المُتعاقِدون.
7 ـ جاء في المادة (4) عن التسليم: “أن المستأجر يعترف بأنه تعَهّد للمؤجِّر بأن المُعِدّات المسلَّمة إليه ـ أي: ستسلّم ـ سوف تُعتبر في حالة جيِّدة وليس فيها عَيب أو خَلَل ظاهر ومطابَقة للمواصفات المتّفق عليها من طرف الصانع، مع عدم الإخلال بمسؤولية الصانع قبل المستأجِر… وأنه متنازِل عن أيّة مطالَبة ضد المؤجِّر بخصوص المُعِدّات المُشار إليها”.
ويُلحظ في هذا الشأن ما يلي:
أ ـ إن هذا الاعتراف باطِل شَرعًا وقانونًا، فلا قيمةَ له و لا تأثير؛ لأنه اعتراف بما سيكون لا بما هو كائِن.
والاعتراف هو صيغة خبريّة تُسمَّى في لغة الفقه والقانون: إقرارًا، والإقرار هو إخبار بسبب ملزِم للمُقِرّ واقع في الماضي. فاعتراف المستأجِر بأنه سوف يتسلّم المأجور، وسيكون سليمًا ليس له قيمة اعترافه بأنه قد تسلّمه بالفعل سليمًا؛ لأن الاعتراف بما سيكون لا يجعله كائنًا، وهذا من بَدَهيات الأمور.
ب ـ إن المؤجِّر شرعًا عليه التزامات أساسيّة وفرعيّة، فالأساسيّة لا يجوز اشتراط تحلُّله منها (إخلاء نفسه كما عبرت الاتفاقيّة)، ومن ذلك التزامه بتسليم المأجور صالحًا لاستيفاء المنفعة المعقود لأجلِها.
وأما الالتزامات الفرعيّة، كبعض النفقاتِ الإصلاحيّة التي يحتاج إليها المأجور، فيمكن تحميلُها بالاتفاق على المُستأجِر.
ج ـ إن عبارة “مع عدم الإخلال بمسؤوليّة الصانع قبل المستأجِر” التي وردت في المادة (4) المذكورة هي عبارة لا معنى، ولا جدوى لها. فإن مسؤولية الصانع ـ وهو بائع ـ إنما هي تجاه المشتري منه (وهو المؤجِّر) وليس للمستأجِر على الصانع أي حقٍّ أو مسؤولية تخوِّله خصومته.
(ثانيًا) على أساس أن الاتفاقيّة معاملة من نوع آخر مغطًى بصورة إيجار.
ممّا تقدّم ـ وليس هو كلُّ ما يُلحظ على هذه الاتفاقية من ناحية الإيجار ـ يتضح أن هذه الاتفاقيّة لا تنطبق عليها قواعد الإيجار، وليس فيها معناه الحقيقي.
فهذه الشروط القاسية التي تُنافي مقتضَى عقد الإيجار، وتُعفي المؤجِّر من جميع مسؤولياته العَقْديّة (بلا استثناء)، وتَستوفي ثمنَ المأجور المشروط التزام المستأجِر بشرائه في نِهاية المُدّة، مع الأجرة كاملين غير منقوصين ولو في حالة نقص التسليم من قبل الصانع البائع، كل هذا يجعل هذا العقد أشبهَ بالقرض الذي يُقصَد به التمويل لقاء فائدة، لا بعقد إيجار. فكأنَّما الإيجار بشرط البيع الإلزامي في نهاية المدة هو تغطية للقرض التمويلي؛ الذي يشتري فيه المُقترِض ما يشاء على مسؤوليته، والأجرة هي تغطية للفائدة، ثم يردُّ المقترِض مبلغَ القرض في الموعد المحدَّد للوفاء تحت اسم ثمن المأجور الذي سينقلب إلى مَبيع.
وهذا ما يُستنتَج بطريق الإشارة الدقيقة من الفقرة التي تنصُّ على أنه (إذا لم يَشتر المستأجر المُعِدّات بعد السنوات الخمس التي هي مدة الإيجار تظلُّ الأجرة سارية).
وهذا، كما لا يَخفى، نظيرُ بقاء فوائدِ القَرض ساريةً إذا لم يُوَفَّ في ميعاده، والمؤجِّر هنا متحلِّل من كل مسؤولية عن المأجور مسبَقًا، كما يتحلَّل المُقْرِض المُموِّل من كلِّ مسؤولية عن المشروع الذي سيموِّله القرض.
ويؤكِّد هذا المعنى: التزام المستأجِر شرطًا في آخر الاتفاقيّة، بأن يدفع في نهاية مدة الإيجار ثمنًا للمُعِدّات بعد استعمالها خمس سنوات معادِلًا لثمنها الذي كان أدّاه المؤجِّر إلى الصانع وهي جديدة. مع أنها لو كانت عمليّة شراء حقيقيّة لمأجور من الآليّات استُعمل هذه المدة لكانت قيمتُه بعد هذا الاستعمال أقلَّ بكثير من قيمته جديدًا.
فواضح من ذلك أن هذا في الحقيقة ردُّ لقرض تحت ستار مُعِدات مأجورة، يشتريها المستأجِر في نهاية مدة الإيجار، والأجرة خلال المدّة هي مقابل الفائدة في القرض.
ولو أن العقد كان في قصد العاقدين شراءً وإيجارًا حقيقيين لكان مَقبولًا شرعًا، ولكن يجِب عندئذٍ تعديل جوانب عديدة مُبهَمة من الشروط المصطنعة للتغطية.
النتيجة:
1 ـ أرى أن مثل هذه الاتفاقية يجب أن يتجنَّبها كل بنك إسلامي؛ لأنها إذا شاعت لديه ـ كطريقة مسلوكة ـ تؤذي سمعتَه الإسلاميّة.
2 ـ يمكن أن يتحقق مقصود البنك بطريق شرعي سليم إذا أريد الاستثمار بالإيجار حقيقة، ذلك بأن تطلب الشركة من البنك أن يشتريَ هو المُعِدّات بشرط أن تستأجِرَها منه بعد الشراء بأجر معيّن، وذلك قياسًا على طريقة المُرابحة في الأمر بالشراء (حين يطلب أحد من آخر أن يشتري شيئًا يحتاجه الطالب الآخر، على أن يشتريَه من المأمور بثمن مقسَّط وربح معيّن).
وهو الطريق الذي فتحته البنوك الإسلاميّة المحليّة في معاملاتِها، وطرق استثمارها بناءً على بعض نصوص وتخريجات فقهيّة صحيحة. فيحلُّ شرط الإيجار للآخر محلَّ شرط البيع تقسيطًا له ربح معيّن، مع ملاحظة أن كُلًا من عقدي الشراء والإيجار يتمُّ بطريقه الشرعي. ثم بعد انتهاء مدة الإيجار يمكن بيع هذه المأجورات من مستأجِرها بما تُساويه في حالتها الحاضرة. على أنه لو شُرط هذا البيع والشراء في نهاية المدة منذ البداية مع الأمر بالشراء والإيجار، فإن من المُمكن قَبوله شَرعًا في قواعد المُشارَطات العَقْديّة، على أن يكون ذلك بالقيمة التي يُساويها في النهاية؛ كي تنتفي منه الصورة المُصطنَعة لتغطية قرض رِبوي يُراد استعادته كاملًا مضمونًا.

هامش
(1) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن بيعتين في بيعة، أخرجه الترمذي (1231) في البيوع، وقال: حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، والنسائي (4632) في البيوع. ويُنظر تفسير الحديث في “تهذيب السنن” 5: 105 لابن القيم.