السؤال:

أن شخصًا باع عقارات له تُساوي عشرات آلاف الليرات بثمن رمزي ضئيل جدًّا قدره مائتا ليرة سورية لجمعية خيريّة تُعنى بالقيام على شؤون الأيتام والفقراء ممثلة تلك الجمعية بشخص رئيسها، واشترط البائع في العقد أن تبقَى منافع هذه العقارات وغلاتها لنفسه مدى حياتِه، وذلك حال تمام صحّته وعقله. وقد سُجّل هذا العقد تسجيلاً رسميًّا في السجل العقاري، ثم توفِّي البائع بعد مدة من الزمن، فاختلف الورثة مع رئيس الجمعية حول حكم هذا التصرُّف وصحته أو نفاذه، وأراد الطرفان ومدير السجل العقاري معرفة حكم الشريعة الإسلامية فيه. وقد وجه نظير هذا السؤال في هذه القضية قبل ذلك إلى جهات أخرى، فأجاب بعض السادة المُفتين بصحة هذا التصرف ونفاذه في نظر المذهب الحنبلي تنزيلًا على بعض نصوصه، وخالف آخرون بحجّة أن الحادثة تختلف في وقائعها عن مقتضى تلك النصوص. وأخيرًا سُئل الأستاذ الزرقا عن حكم الشريعة في هذه القضية ورأيه في تلك الفتاوى المختلفة مع رجاء الإيضاح حول النقاط التالية: هل يُعتبر هذا العقد بهذا الشرط صحيحًا، أم غير صحيح للجهالة القائمة في التحديد الزمني بمدى حياة البائع، أو هل يُعتبر في حكم الوصية؟

الجواب:

وقد أجاب الأستاذ الزرقا على ذلك بالجواب الذي أطلعنا عليه، فآثرنا نشره، لما للموضوع من أهمية كبيرة بالنسبة للكثيرين من القراء، ولما تضمّنه جواب الأستاذ الزرقا من تجلية تسترعي الانتباه لدى أهل العلم.
قال الأستاذ الزرقا ـ حفظه الله تعالى ـ في الجواب ما نصه:
والذي أرى في هذه المسألة الآن بنظرة عَجْلى ـ وأنا في غمرة أعمال الامتحانات الجامعية؛ التي لا أملك فيها وقتًا للتعمق في التمحيص، ولا أستطيع أن أجيبك إلا من كتاب الذاكرة دون الرجوع إلى شيء من المراجع ـ هو ما يلي:

أ) من الوجهة القانونية: يُعتبر هذا التصرف صحيحًا نافذًا، سواءٌ أَعتُبر بيعًا مشروطًا فيه الاحتفاظ بالمنافع مدى حياة البائع نظرًا لصورته، أم اعتبر من قبيل الهبة المشروط فيها ذلك نظرًا لقصد العاقدين، ولا يمكن اعتباره من قبيل الوصية المضافة إلى ما بعد الموت لأن المادة / 878 / من القانون المدني خصّت هذا الاعتبار بما إذا كان مثل هذا البيع بهذا الشرط صادِرًا من البائع لأحد ورثته.
ب) أما حكم هذا العقد في فقه الشريعة الإسلامية فهو موضوع كثير التعقيد، يحتاج إلى بحث طويل؛ من حيث إنه هل يعتبر هذا بيعًا صحيحًا أو فاسدًا في المذهب الحنفي؟ وهل يعتبر صحيحًا أو باطلًا في مذهب غير الحنفية الذين لا يقولون بنظرية الفساد؟
وإذا قيل بفساده عند الحنفية فما هو سبب فساده؟ هل هو لاشتراط منفعة أحد العاقدين أو لجَهالة أجل هذه المنفعة؟ وهل كون أجلِ هذه المنفعة مدى حياة البائع يجعلها جَهالة فاحشة؛ مما تؤدِّي إلى نزاع مُشكِل كبيع شاة من قطيع دون تعيينها؟ أو هي جهالة محدودة ملحقة بالمعلوم، لأنها لا تؤدِّي إلى نزاع مُشكِل ما دامت الحجة معها قائمة من أحد الطرفين على الآخر، كبيع ما في صندوق مجهول المضمون حيث نصُّوا على جوازه وصحته؟
ثم عند غير الحنفية كالحنابلة الذين يُجيزون اشتراط منفعة في المبيع للبائع مدة معلومة، هل يُعتبر مدة حياة البائع أيضًا ملحَقًا بالمعلوم، كما رآه بعض السادة المُفتين، أو ملحقًا بالمجهول جهالة فاحشة، كما يراه آخرون ممن أفتَوْا في هذا الموضوع؟ هذا كلُّه بالنظر إلى صورة العقد.
ولكن هل يمكن النظر إلى المقصود منه بحسب قاعدة (إن العبرة في العقود للمقاصد لا للألفاظ)، واعتباره حينئذٍ وصيّةً مضافة إلى ما بعد الموت، وهذا التخريج في نظري أقرب جَريًا مع قاعدة سدِّ الذرائع كيلا يُتَّخَذ مثل هذا الشرط ذريعة للاحتيال على أحكام الوصية وحدودها في الإسلام. كل ذلك محلُّ نظر في هذه القضية من الوجهة الفقهية، ويحتاج بحثه إلى وقت لا أملِكه الآن، وهو في النهاية بحث عقيم عمليًّا في هذه الحادثة. أقول: إنه بحث عقيم عمليًّا بعدما بينت لكم أن الحكم القانوني هو صحة هذا البيع ولزومه؛ لأن اشتراط منفعة في العقد للبائع أو لشخص ثالث مدى حياته، هو مقبول في أحكام قانوننا المدني.
وبما أن المشتريَ هو جمعية خيريّة للعناية بالأيتام والعَجَزة ومصالِحهم تعاقَد باسمها ممثلُها القانوني عقدًا فيه لها غبطة وحظّ وربح في حكم القانون النافذ، فإن هذا الممثل لا يستطيع تطبيق حكم آخر على الجمعية يخسرها غير حكم القانون، وليس له إذا كان العقد صحيحًا قانونًا وغير صحيح شرعًا أن يوافِق على إقالة العقد، أو فسخه لأي سبب كان غير ما يوجِبه، أو يسوِّغه القانون النافذ في كل ما يُلحق الجمعية خسارة أو ضررًا، ولو بحُجة أن العقد الذي كسبت به الجمعية ذلك الحقّ والمنفعة هو عقد فاسد شرعًا؛ لأن القضاء لدينا لا يقضي بغير القانون في كل ما تناوله نصُّه بعبارته أو بفحواه.
هذا بخلاف ما لو كان العقد بين شخصين عادِيَّين، فإن لكلٍّ منهما أن يتخلَّى عمّا يُكسبه إيّاه القانون بمحض إرادته؛ لأنه حرٌّ في التصرُّف بحقِّ نفسه، وليس كذلك الشخص الاعتباري كالجمعية الخيريّة؛ فإن ممثلها ليس متصرِّفًا لحسابه، بل لحساب الجهة الخيريّة، وعلى هذا الأساس لا يستطيع ردَّ الإبراء الصادر من دائن الجمعية، بينما المَدين العادي يستطيع ردَّ الإبراء الصادر من دائنه.
فلذا يُعتبر البحث عن الحكم الشرعي في هذه القضية بحثًا عقيمًا ما دام العقد صحيحًا قانونًا، ولا يستطيع ممثل الجمعية قَبول الحكم الشرعي إذا كان الحكم القانوني أنفع للجمعية وإلا كان مسؤولًا.
هذا ما ظهر لي، والله سبحانه وتعالى أعلم