السؤال:

الحكم الشرعي في تداول صكوك الإذن الحكومية التي تطرَح في السوق للتداول، ويتضمن الواحد منها مبلغ مائة دينار أردني تُستحَقُّ بعد ثلاثة أشهر من تاريخها

الجواب:

(أ) حقيقة صكوك الإذن، وتكييفها القانوني:
إن صك الإذن الحكومي المُتداوَل والمُتضمّن مبلغًا معينًا (مائة دينار) مثلاً تُستحق على خزينة الدولة بعد ثلاثة شهور من التاريخ الذي يحمله الصكُّ، هو ليس سوى سندِ دَين لحامله الذي يشتريه ويدفع مبلغَه قَرضًا للجهة المُصدِّرة له، مطروحًا من مبلغه المذكور فيه مقدار متفق عليه (هو في الواقع أربعة دنانير من المائة) أي أن مشتريَه (المُقرِض) لا يدفع تمام المبلغ المبيَّن في الصك (وهو مائة دينار)، وإنما يدفع ستة وتِسعين دينارًا فقط، ثم يَستوفي مبلغَه المذكور كاملاً من خزينة الدولة بعد ثلاثة أشهر من تاريخه.إن الصَّك المذكورَ لا يُمكن تكييفُه إلا كذلك، أي بأنه سند دين على الجهة المُصدِرة له، ونوع هذا الدّين قرضٌ بالمبلغ الذي يتضمنه لقاء فائدة عن مدة الأجل هي المِقدار المقتطَع من مبلغ الصكِّ عند شرائه، وذلك الأجل هو ثلاثة أشهر.ذلك أن القرض بفائدة له أسلوبان:1 ـ إما أن يسلِّمَ المُقْرِض مبلغ القرض كاملاً وقتَ الاستقراض، على أن يُعيدَه المقترضُ في الموعد الآجِل مضافًا إليه الفائدة المتفقُ عليها، فيأخذ مثلاً مائة ليعيدها مائة وعشرة بعد عام.وهذه الطريقة تجري عليها الصكوك التي تسمَّى (سندات) يصدِرها البنك المركزي.2 ـ وإما أن يقتطع المُقرِضُ، مسبقًا عند الإقراض، مبلَغ الفائدة المتفقِ عليها من الأجل المحدَّد للوفاء، فيعطي المُقْرِضُ المقترضَ تسعين مثلاً، ليعيدها هذا مائة بعد عام، ويكتب الصك بمائة. وهذه الطريقة هي الأكثر شيوعًا، حيث يستوفي المقرض (المُرابي) مبلغ الفائدة مسبقًا عند الإقراض، وعليها تجري صكوك الإذن الحكوميّة التي يسمُّونها صكوك الخَزينة موضوع هذا التقرير.فمن الواضح جدًّا أن هذه الصكوك ليست سوى صكوك قروض بفائدة تصدِرها الجهة الحكوميّة لعموم الناس (لا لشخص معين، كما يحصُل بين مُراب ومقترِض معيّنين) بمبلغ صغير ليستطيعَ الكثيرون أداءه (مائة دينار) ولمدة قصيرة هي (ثلاثة أشهر)، على أن يدفعَ المشتري الصكّ (المقرِض) ستة وتسعين دينارًا، ويسترِدّها من الجهة المصدِرة مائة بعد ثلاثة أشهر. فحامل الصك (أو مشتريَه) هو المُقْرِض، والجهة المصدرة له مقترضة، ومبلغه قرض بفائدة سنويّة بسعر اثني عشر في المائة (3×4=12).وتسمية هذه العملية: شراء لصك إذن حكومي لا يُغَيِّر من حقيقتها شيئًا، فإن الحقائق لا تتغيّر بتغير الأسماء.
(ب) يتضح من هذا التحليل للعملية أنّه لا فرق أصلاً بين ما يسمَّى بالسندات (أو سندات التنمية)، وبين صكوك الإذن الحكومية، أو صكوك الخزينة، موضوع البحث، فكلاهما، بالنظر الشرعي والقانوني، قروضٌ بفائدةٍ، وحامل السند فيها هو المُقرِض المُسَلِّف (المُسْتَثْمِر)، والجهة المصدِرة هي المُقترضة المستلفة.
(ج) ـ إن النقاط التي تحتاج إلى تجلِية بالنظر الفقهي بعد هذا العرض التحليلي لطبيعة الموضوع هي:1 ـ هل الفوائد في الاصطلاح العُرفي والمَصرفي والقانوني هي من الرّبا المحرَّم قطعيًّا في الإسلام، أو هي شيء آخر حلال؟2 ـ إذا كانت الفوائد مُعتَبرةً من صميم الربا، فهل من فرق في حرمتها بين قروض وفوائد يمارِسها الأفراد والمصارف فيما بينهم، أو تمارسها الحكومة معهم أخذًا وإعطاء؟3 ـ هل السندات وصكوك الإذن الحكوميّة، بحسب طبيعتها وحقيقتها، قروض رِبويّة سمِّيت بأسماءٍ أخرى (كما سبقت الإشارة إليه)، أو هي نوع آخر من التَّعامل لا يأخذ حكم القرض الرِّبوي؟النقطة الأولى:فأما النُّقطة الأولى، فإن أساطينَ الفقهاء المعاصِرين الموثوقِ بهم علمًا وتَقْوى وأمانة دينيّةً مُجمِعون على أن الفوائد هي من صميم الرّبا المُحرّم، ولو كانت محدّدة السّقف قانونًا بحدٍّ أعلى في سعرها تمنع القوانين تجاوزه، ويرون كل تخريج لإباحتها تحايُلًا باطلاً بعد قوله تعالى: (وإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أمْوالِكم).النقطة الثانية: وأما النقطة الثانية، فإن هؤلاء العلماءَ الرّاسخين الثِّقات يُجْمِعون أيضًا فيما كتبوا ونشروا في الكتب وفي الصحف الدوريّة أنّه لا فرق في حُرْمة الرّبا القطعيّة بين أن تُمارِسه الحكومات أو يُمارِسه أفراد الشَّعب، بل المحقِّقون على أن مُمارَسة الحكومة للمُراباة أشدُّ إثمًا وخطورة على حياة الشعب الاقتصاديّة من المُراباة فيما بين الأفراد، ويأتُون على ذلك بأدلّةٍ وشواهِدَ مُفحِمة لكل مجادِلٍ، ولا مجال لعرضها هنا. (ولينظر مثلاُ في ذلك كتاب الدكتور عمر شابرا مستشار مؤسسة النقد السعودية: “نحو نظام نقدي عادل” وقد نال مؤلفه في هذا العام جائزة الملك فيصل العالمية).النقطة الثالثة:وأما النقطة الثالثة، فإن إجماع العلماء الثِّقات في علمهم وتقواهم من المعاصرين على أن ما يسمَّى اليوم بسندات التنمية هو القرض نفسه بفائدة وهي عين الرِّبا المحرم، وأن التّسمياتِ المختلفةَ المستجِدّة لا تغيِّر من حقيقة العمل المحرَّم في شريعة الإسلام شيئًا.لكن خرج عن هذا الإجماع مُفتي مصر الحالي الشيخ الدكتور سيد طنطاوي في فتويين أصدرهما العام الماضي، أحلَّ في إحداهما السندات المذكورة، وأحلَّ في الأخرى الفوائد المصرفية بوجه عام، معتبرًا “أن الفوائد يمكن عدُّها من قَبيل الأرباح في شركة المُضارَبة (القراض)، وإن كان رأي جمهور علماء العصر على اعتبار أنها ربا محرَّم” (هكذا يقول) وقد اقترح في فتواه هذه تغيير اسم (الفوائد) إلى (أرباح أو عوائد)، لإبعاد الأذهان عمّا لازم معنى كلمة (الفوائد) من معني الرِّبا المحرَّم!!وقد كان رأيه هذا غريبًا ومُريبًا، وأثار الشكوك حول علمِه أو تقواه، وحول دوافِعه إليه، ولا سيّما أنه هو نفسه، قبل ذلك بخمسة أشهر فقط، كان أصدر ونشر فتوى مطوَّلة ومعلَّلة بعكس ذلك، أعلن فيها أن هذه السنداتِ وفوائدَها ربا صريح محرّم بالنصوص القطعيّة!! فما الذي غيّر المفاهيم العلمية وحقائق الأشياء ودَلالات النصوص الصريحة خلال خمسة أشهر فقط؟!.
(د) ـ هذا وقد عالَج مجمع الفقه الإسلامي الدولي المرتبط بمنظمة المؤتمر الإسلامي موضوع السندات والفوائد هذه في ضوء البحوث المتعدِّدة التي قدَّمها إليه أعضاؤه.وانتهى بالإجماع إلى تقرير تحريمها لأنها من صميم العمليات الربوية، وذلك بقراره ذي الرقم (62/11/6) الذي قال فيه ما نصه:”إن هذه السندات محرّمة شرعًا؛ لأنها قروض رِبوية، سواء أكانت الجهة المُصدِرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة. ولا تأثير لتسميتها: شهادات أو صكوكًا استثمارية، أو ادخارية، أو تسمية الفائدة الرِّبوية الملتزم بها ربحًا أو ريعًا أو عمولة، أو عائدًا “.وقد بين المجمع في الفقرة / 4 / من قراره هذا: “أن البَديل الحلال لهذه السندات هو إصدار صكوك قائمة عى أساس شركة المُضاربة في مشروع أو نشاط استثماري معيَّن”.النتيجة:يتضح ممّا سَلَف بيانه أن صكوك الإذن الحكوميّة (موضوع البحث) هي مثل سندات التنمية، كلاهما قروض رِبوية لا يجوز في الشريعة الإسلامية التعامُل بها أخذًا وإعطاءً، أو بيعًا وشِراءً، ويجب على من يريد استثمار ما لديه من وفر ماليٍّ أن يلجأ إلى الطرق الحلال: إما بطريق المشاركة مع مثله يتعاونان برأس المال والعمل، أو بطريق عقد المُضاربة الشرعيّة مع عامل بخبرته، أو بإيداعه في بنك إسلامي يعمل فيه بالطرق الاستثمارية الحلال.25/1/1411هـ.26/8/1990م.
ثم كتب فضيلة الشيخ قرارًا صادرًا عن مجلس الإفتاء بشأن تداول صكوك إذن الخزينة الحكومية، جاء فيه:القرار رقم / ….بشأن تداول صكوك إذن الخزينة الحكوميةعرض على مجلس الإفتاء السؤال الوارد من… والمُحال إلى المجلس بشأن تداول صكوك الإذن الحكومية بيعًا وشراء. وقد كلَّف المجلس أحد أعضائه الأستاذ مصطفى أحمد الزرقا، دراسة موضوع هذه الصكوك، وتقديم تقرير مُفَصَّل عنها يجلو حقيقتها، لكي يمكن الوصول إلى رأي شرعي بشأنها، فقام الأستاذ الزرقا المُشار إليه بهذه المهِمّة، وقدّم التقرير التفصيلي المربوط بهذا القرار. وبدراسة هذا التقرير رأي مجلسُ الإفتاء في المملكة الأردنيّة أنَّ ما جاء فيه من إيضاح وكشْف عن ماهيَّة هذه الصُّكوك وطبيعتها والغرض منها وتكييفها الشرعي والقانوني، مُوافِق للواقع.وقد انتهى المجلس بشأنها إلى القرار التالي:يرى مجلس الإفتاء في المملكة الأردنية أن الصُّكوك المُسمّاة بصكوك الإذن الحكومية، أو صكوك الخزينة، هي صكوك قرْض رِبَوي محرّم بالنصوص القطعيّة في كتاب الله تعالى العزيز، والسنة النبويّة الثابتة، وأن تسميتَها بخلاف ذلك لا يُغيِّر شيئًا من طبيعتها هذه.
فلا يجوز شرعًا استثْمار المال بطريق شرائها وتداوُلها، بل يجِب على المسلم اللجوء إلى الطرق المُباحة شرعًا بطريق المشاركة بمختلف صُورها، أو بالإيداع الاستثماري لدى بنك إسلامي موْثوق به في أنه يَستثمر الودائع الماليَّة التي تُودَع فيه بالطرق الحلال المبيَّنة في نظامه.