السؤال:

هل يجوز شرعًا استيلاء أمانة العاصمة والبلديات والمجالس القروية على المقابر المُندرِسة الواقعة ضمن حدود منطقتها، وذلك بحسب مشروع قانون أعدته أمانة العاصمة بذلك تعديلاً لقانون البلديات، وخلافًا لقانون الأوقاف والشؤون الإسلامية ذي الرقم / 26 / لسنة / 1966م الذي تنص الفقرة (ج) من المادة / 2 منه على أن جميع المقابر الإسلامية حتى المُندرِسةَ منها هي من جملة الأوقاف الإسلامية في المملكة.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أخذ شيء من مقابر المسلمين الدارسة، أو أيّ مال سواها من أموال الأوقاف الإسلامية وعَقارها لمصلحة البلديات أو أية وزارة أخرى في الدولة غيرُ جائز، وكلُّ تقنين يَصدُر بهذا الشأن أو تدبير إداري هو من الأعمال الباطلة المنافية للإسلام وشرعه.

يقول الدشيخ الدكتور مصطفى الزرقا _ رحمه الله.ـ :

جوابًا على هذا السؤال أقول:

1 –عرَّف الفقهاء الوقف شرعًا بأنه: حبْس المال على حكم ملك الله تعالى حبسًا دائمًا، والتصدُّق بمنفعتِه في وجوه البر.

وصرَّحوا بأنه يزول مِلك الواقف عن الموقوف بمجرَّد الوقف كالإعتاق، وأن الوقف تصرُّف مُلزِم للواقف لا يستطيع الرجوع عنه، وليس لورثته إبطاله؛ لأنه أصبح على حكم ملك الله تعالى مُخصَّصًا لمصلحة الجهة الإسلامية الموقوف عليها، (ينظر كتاب الدر المختار وحاشيته رد المحتار من فقه الحنفية أوائل كتاب الوقف). ومثله ما في مذاهب أخرى (ينظر أوائل كتاب الوقف في المغني لابن قُدامة من فقه الحنابلة، وفي نهاية المحتاج من فقه الشافعية). فقد قال في “مطالب أولي النهي” من فقه الحنابلة (4 : 295): ” يَلزَم الوقفُ بمُجرَّد اللفظ، ويزول مِلْك الواقِف عنه كالعِتق”.

2 –قرَّر الفقهاء في مختلف المذاهب “أن الموقوف لا يُباع ولا يُوهَب ولا يُورَّث، بل يبقى محبوسًا أصله عن كل تمليك وتملُّك، وتُرصَد منفعته العينية أو ريعه (بحسب كونه موقوفًا للانتفاع بعينه كالمساجد والمقابر، أو للانتفاع بريعه وغلّته كالدّور والحَوانيت والأراضي الزِّراعية) للجِهة الموقوف عليها أبدًا إحياءً لها، وذلك لقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لعمر بن الخطاب ـ رضِيَ الله عنه ـ حين سأله قائلاً: يا رسول الله إني أصبت مالاً بخَيبر لم أُصِب قَطُّ مالاً أنفسَ عندي منه، فما تأمرني فيه؟ قال: “إن شئتَ حبستَ أصلَها وتصدَّقْتَ بها”، قال: “فتصدَّق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهَب ولا يُورّث”(1) والمراد من التصدُّق بها رصدُ ثمرتها في وجوه البِرِّ للمسلمين، بدليل فعل عمر في وقفه هذا. (ينظر كتاب “أحكام الأوقاف” للإمام الخصاف، وكتاب “الإسعاف” للطرابلسي، و”مطالب أولي النهي” في أوائل الوقف).

وقد أجاز الفقهاء بيعَ الوقف بإذن القاضي لمصلحة لا تنافي رُوح ذلك الحديث النبوي، وذلك فيما إذا تَوهَّنَ عَقار الوقف، ولم تكن للوقف غلّة تَفِي بتعميره أو ترميمه، وزهد الناس في استئجاره، فقال الفقهاء في مثل هذه الحال يباع عقار بعقار آخر أنفع منه أو بالدراهم، ويُشترَى بثمنه عقار آخر يحِلُّ محله في الوقفية، ولا يخفى أن هذا في ظاهره بيع، وفي حقيقته صيانة واستصلاح، وقد قال تعالى في محكم كتابه: (واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ).

ولم يُجوِّز فقهاء الشريعة في الأنقاض التي تتخلّف عن ترميم عقار الوقف أن تصرف كالغلّة في المصارف الموقوف عليها، بل نصُّوا على وجوب صرفها في تعمير الوقف وترميمه واستصلاح عَين؛ لأنها من عين المال الموقوف لا من غلته. (ينظر كتاب الوقف من الدر المختار ورد المحتار عند قول المتن ـ وصرف نقضه إلى عمارته).

3 –وإن المقابر الإسلامية هي من أوقاف المسلمين وُقِفَتْ لمصلحة من مصالحهم هي دفن موتاهم، وهي مصلحة دائمة، وليست وقفيَّتُها مستندةً إلى قانون الأوقاف والشؤون الإسلامية الذي نصَّ على وقفيتها بل هي أوقاف إسلامية قبل هذا القانون وَقفها في الأصل مالكوها المسلمون، وإنما جاء نصُّ القانون المذكور مؤكِّدًا لوقفيتها لا مُنشئًا لها. وقد صرح فقهاء الشريعة بأن الوقف تصرف ملزم لا يملك الواقف نفسه الرجوع عنه بعد ما وقفه، لخروج الموقوف عن مالك الواقف إلى حكم ملك الله تعالى، كما تقدَّم بيانه.

4 – ولا فرق بين مقبرة درست وبين مدرسة، أو تكيّة، أو مستشفى مثلاً من الموقوفات إذا خلا ما حولها من العمران وهُجِرت، فكل ذلك يبقى وقفًا إسلاميًّا هو حقّ للمسلمين كافّة، تقوم عليه الجهة التي تتولَّى إدارة الأوقاف، وهي اليوم وزارات الأوقاف، أو إدارتها العامة إن كانت، فإن لم تكن فالقاضِي الشَّرعي بمُقتضى ولايته الإدارية العامة بحسب نصوص الفقهاء.

وإذا استُبدِل بما دَرَس أو توهَّن من العقارات الموقوفة عقارٌ آخر، أو بِيع بالدراهم، يصبح وقفًا محله، أو يُشتري بثمنه عقار يصبح وقفًا بمجرد شرائه دون حاجة إلى تجديد وقفيّته، ونُصوص الفقهاء في كل ذلك مُستفيضة مَعروفة لدى علماء الشريعة (ينظر الدر المختار ورد المحتار في أواخر الباب الأول من كتاب الوقف، وقانون العدل والإنصاف في القضاء على مشكلات الأوقاف لقدري باشا المصري).

5 –مما تقدّم يُستخلَص أن المقابر الإسلامية إذا أصبحت دوارسَ بسبب منع البلديات الدّفنَ فيها رعايةً لبعض الاعتبارات العُمرانية، أو درستْ بسبب آخر تبقَى وقفًا إسلاميًّا له حرمته، ولا يجوز لأحد (غير السلطة ذات الولاية على الأوقاف) أن تستوليَ عليها، وتجعلَها من أملاكها الخاصة أو العامة، فتبنيَ عليها مبانيَ لها، أو تبيعَها وتُدخِلَها في ميزانياتها، سواء أكانت تلك السلطة التي تريد هذا الاستيلاء هي البلديات أو وزارات أخرى، بل هذا يعتبر غَصْبًا لمال إسلاميٍّ مرصود لمصالح المسلمين، وتصرُّفًا فيه لمصالح لا تخصُّ المسلمين وحدَهم وإن كانت عامّة.

ذلك أن البلديات وسائر الوزارات الأخرى لا تخصُّ خدماتها وأموالها المسلمين وحدهم، بل هي لجميع المواطنين، فكما تُخصِّص لها ميزانيات من الموارد العامة التي تُجبَى بطريق الضرائب من جميع المواطنين مسلمين وغير مسلمين، تكون أيضًا خدماتها التي تؤدّيها للناس خدمات عامة لجميع المواطنين مسلمين وغير مسلمين.

وبما أن الأوقاف الإسلامية هي مال إسلاميّ مِلِّيّ محض، سواء أكان للانتفاع بعينه كالمساجد والمقابر والمدارس والزوايا، أو كان للاستغلال والإنفاق على تلك المصالح الإسلامية الأخرى كالدور والحوانيت والأراضي الموقوفة على المساجد والمدارس ونحوها، فكل ذلك مال إسلامي مِلِّي يخصُّ المسلمين وحدَهم، فلا يجوز إدخالُه في الأموال العامة التي تعود ثمراتُها على المواطنين كافة من مسلمين وغير مسلمين.

فكما لا يجوز للبلديات وسائر الوزارات شرعًا أن تستوليَ على شيء من أوقاف الكنائس، فتضمَّها إلى أملاكها الخاصّة أو العامّة؛ لأن أوقاف الكنائس أموال تخصّ طوائفها وحدهم دون سائر المواطنين، كذلك لا يجوز هذا الاستيلاء على شيء من أوقاف المسلمين، وإدخاله في الأموال العامة الأخرى التي تكون منافعها أو ثمراتها للعموم، ولا تخصّ المسلمين وحدهم.

6 -ويتضح أيضًا من كل ما سلف بيانه أنه لا يجوز لأية سلطة زمنية في دولة إسلامية أن تُصدِرَ قانونًا ينقل ملكية المقابر الدَّوارِس إلى البلديات، فصدور قانون من هذا القبيل لا يصلح لتبرير مثل هذا الغصب الحرام لمال جماعة المسلمين؛ لأن القانون الزّمنيّ لا يقلِب الحَرام حلالاً في نظر الشريعة الإسلامية.

فممّا يجب أن يُعرَفَ أولاً، وقبل كل شيء؛ أن مُهمة كلّ سلطة عليا في دولة إسلامية إنما هي تطبيق لحكم الشريعة الإسلامية وتنفيذ له، وليست سلطةً تشريعيّةً، لأن سلطة التشريع في الإسلام تعود إلى الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حَصرًا وقَصْرًا. وقد توقّفت الإضافات والنَّسخ والتعديل والتبديل والإطلاق والتقييد في نصوص الشريعة بعد استكمالها بقوله تعالى عزَّ مِن قائل في أواخر حياة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (المائدة : 3).

وليس الخلفاء والحكّام وسائر سلطات الدولة في نظام الإسلام سوى منفذين ومطبقين لأمر الله ورسوله، ذلك الأمر الذي يتجلَّى في نصوص الشريعة الخاصة والعامة من الكتاب العزيز والسُّنّة النبويّة، حتى إن الاجتهاد الجديد في القضايا المستجِدّة، والأمور المُستحدَثة التي ليس عليها نصٌّ في الشريعة لا يعتبر تشريعًا في نظر الإسلام، بل هو تطبيق للنصوص العامة الشرعية، وللقواعد القياسية والاستِحسانيّة والاستصلاحية المُستنبَطة من نصوص الشريعة.

إن ما يسمَّى اليوم تشريعًا من القوانين الزمنية لا يعدو في النظر الإسلامي إحدى حالتين:

أ ـ إما أن يكون مُنسجمًا مع قواعد الشريعة ومقاصِدها وغيرَ مُصادِم لشيء من نصوصها الخاصة والعامة، وحينئذ يعتبر في نظر الإسلام تنظيمًا تطبيقيًّا لقواعد الشريعة ومقاصدها بحسب الحاجة الزمنية التي تختلف فيها الوسائل والأساليب بين زمن وآخر، ومكان وآخر، ممّا هو مفوَّض شرعًا لولِيِّ الأمر دون مَساس بالأحكام والقواعد الأساسية في شريعة الإسلام، بل هذا التفويض إنما هو لضمان حُسن تطبيقها بحسب اختلاف الظروف والوسائل وما تستلزمه من اختلاف في أساليبِ التطبيق.

ب ـ وإما أن يكون القانون الزّمني مخالِفًا لنصوص الشريعة أو منافيًا لمقاصدها وقواعدها المُستنبَطة من تلك النصوص، فهو حينئذٍ انحراف، من السلطات والحكّام في التطبيق، عن جادّة الإسلام، أو خروج عليها، وذلك بحسب درجة المُخالفة فيه، وليس له حرمة في نظر الإسلام كحرمة الأوامر التنظيمية الصادرة عن ولي الأمر (بحسب سلطته التفويضيّة) وَفْقًا لقاعدة المصالح المُرْسَلة التي غايتها تحقيق مقاصد الشريعة في كل مكان سكتتْ عنه النصوص.

هذا، وينطبق على الحاكم أو صاحب السلطة الذي يُسيء استعمال سلطته في تنظيمات أو أوامر زمنية أو تقنينات منافية للشريعة ما يقال شرعًا في كل مُرتكِبٍ لمعصيَة في نظر الإسلام، بحسب كونه مُستبيحًا لحرمة الحِمَى الإسلاميِّ الذي انتهكه بمعصيته هذه أو غير مُستبيح.

وهذا من المسلَّمات الأولية في دين الإسلام لدى علمائه، لا يحتمل جِدالاً ولا نقاشًا. وبناء عليه قال الخليفة الأول سيدنا أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ للمسلمين في أول خُطبة خطبها فيهم بعد ما بايعوه بالخلافة: “أطيعوني ما أطعْتُ اللهَ ورسولَه، فإن عصيتُ الله ورسولَه فلا طاعةَ لي عليكم”.

7 -ويتضح أيضًا من كل ما تقدّم بيانه أنه لا يجوز لأية سلطة زمنية، يمثلها حاكِم أو مجلس، أن تُصدر قانونًا ينقل ملكية المقابر الدوارِس إلى البلديات، ما دامت وظيفة هذه السلطات تطبيق أحكام الشريعة، وتنظيم شؤون المسلمين ورعاية مصالحهم.

ومن القواعد المقرَّرة في نظام الحكم الإسلامي “أن التصرف على الرَّعية مَنوط بالمَصلحة” (المجلة م / 58) وليس من مصلحة المسلمين مصادرة أموالهم المِلِّيّة التي تخص جماعتهم، ولو لأجل استخدامها في شؤون عامة لا تخصهم وحدهم، فهذا لا مَساغَ له أصلاً في شريعة الإسلام وفقهها، وهو من أعظم المعاصي الكبرى التي يؤذَي بارتكابها المسلمون في كِيانهم الديني، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى تقوية كيانهم هذا مادِّيًّا ومَعْنويًّا في وجه الحملات التبشيريّة المُنظمة ضد الإسلام، والتي تمدُّها دول كبرى بالأموال والنفقات الهائلة، وتُنشئ في قلب البلاد العربية والإسلامية شبكات الصيد التبشيريِّ من مدارس وملاجئ ومستشفيات وسواها، ولا يوجد ما يقابلها في المسلمين سوى أموال الأوقاف الإسلامية؛ ولذلك تضاعفت في هذا الزمن ضرورة الحفاظ على أموال الأوقاف الإسلامية، كما يتضاعف أيضًا وِزر التعدي عليها من سلطات الحكم أو التقنين. ولكن مع الأسف يُرَى اليوم أن ضعف الشعور الإسلامي في كثير من حُكّام البلاد الإسلامية يجعل سلطاتها المُستبِدّة تسطو على الأوقاف الإسلامية، وتسلُب من أراضيها وعقاراتها لمصلحة بعض الوزارات الأخرى.

وإذا كان مصطفى كمال التركي قد سطا في تركيا على الأوقاف الإسلامية بالقوة في عهد حكمه الاستبداديّ الإرهابيّ، فإنه لم يفعل ذلك إلا بعد أن انخلع من الإسلام، وأعلن علمانيّة الدولة في دستوره الجديد، وسمّى نفسه أتاتورك..إلخ، وعندئذٍ صادَر الأوقاف الإسلاميّة، وألحقَها بأملاك الدولة.

الخُلاصة: أَنّ أخذ شيء من مقابر المسلمين الدوارس، أو أيّ مال سواها من أموال الأوقاف الإسلامية وعَقارها لمصلحة البلديات أو أية وزارة أخرى في الدولة غيرُ جائز، وكلُّ تقنين يَصدُر بهذا الشأن أو تدبير إداري هو من الأعمال الباطلة المنافية للإسلام وشرعه.

والله تعالى أعلم.