السؤال:

الحكم الشرعي في مسجدٍ ضاقَ بأهل مَحِلّتِه: هل يجوز هدمه وإعادة بنائه لتوسعته بحسب الحاجة على أن يُرفَع عن الأرض، فيُجعَل الطّابقُ الأول من البناء، أي: الطابقُ الأرضيُّ، محلاتٍ تجاريةً موقوفة تُستغَلُّ بالإيجار لمصلحة الوقف ويُقام المسجد فوقها؟

الجواب:

احكام اجتمعنا نحن المُوقِّعين (الشيخ محمد محيلان، والشيخ عز الدين الخطيب، والشيخ إبراهيم زيد، والشيخ أسعد بيوض، برئاسة الأستاذ مصطفى الزرقا.) بعد أن توزَّعَنا العمل في مراجعة نصوص المذاهب الفقهية الأربعة، واستعرضْنا ما تمَّ إعداده من هذه النصوص المذهبيّة، فتبيَّن لنا أن المذهب الحنبلي هو أوسع المذاهب الأربعة وأرحبُها في هذا الموضوع.
وقد جاء في المراجع المعتبرة التي رجعنا إليها من المذهب الحنبلي ونصوص فقهائه الكِبار ما يلي:

1 – قال ابن قدامة في كتاب الوقف من “المغني” ( ج 6 ص 30 ـ الطبعة الجديدة نشر مكتبة القاهرة) ما نصه:
“قال أحمد ـ في رواية أبي داود ـ في مسجد أرادَ أهلُه رفعَه عن الأرض، ويجعل تحته سِقايةٌ وحوانيتُ، فامتنع بعضهم من ذلك، فينظر إلى قول أكثرهم”.
ثم بيَّن ابن قدامة بعد هذا اختلافَ فقهاء المذهب في أن كلام الإمام أحمد هذا محمول على مسجد قائم يُراد هدمُه ورفعه بهذه الصورة كما هو الظاهر من الرواية، أو هو محمول على ما إذا أريد بناءُ مسجد من البداية على هذه الصورة، وإن كان هذا الحمل خلاف الظاهر.
2 – وجاء في “مطالب أولي النهي” للرحيباني شرح ” غاية المنتهى” للشيخ مرعي الكرمي في أواخر كتاب الوقف أيضًا (ج 4 ص 374) مَتنًا وشرحًا ما نصه ـ باختصار يسير وبعض التصرف ـ :
“ويجوز رفع مسجد إذا أراد أكثرُ محلّتِه ذلك، وجعل سفلِه سِقايةً وحوانيتَ يُنتفَع بها لما فيه من المصلحة، والظاهر أنه يجوز لِجُنُب ونحوه الجلوسُ بتلك الحوانيت لزوال اسم المَسجديّة”. انتهى.
ثم ذكر عقب ذلك أن الشيخ تقيَّ الدين (ابن تيمية) رحمه الله سُئِل في مسجد قائم أراد بعضهم أن يبنيَ فوقه بيتًا وقفًا له، إما لينتفع بأجرته في المسجد، أو ليُسكِّنَه إمامَه، ويرون ذلك مصلحة للإمام أو للمسجد، فأجاب رحمه الله بأنه:
إذا كان ذلك مصلحةً للمسجد، بحيث يكون ذلك أعونَ على ما شرعه الله ورسوله فيه من الإمامة والجماعة وغير ذلك، فإنه ينبغي فعله، كما نصّ على ذلك ونحوه غير واحد من الأئمة، حتى سُئِل الإمام أحمد عن مسجد لاصق بالأرض، فأراد أهله رفعه، وأن يبنُوا تحته سقاية، وهناك شيوخ (مُسِنُّون) فقالوا: نحن لا نستطيع الصعود إليه، فقال أحمد: ينظر ما أجمع عليه أكثرهم. أهـ.
ثم قال الشيخ تقي الدين ـ رحمه الله ـ معلِّلاً ذلك:
“ولعل ذلك أن تغيير صورة المسجد وغيره من الوقف لمصلحة راجحة جائز؛ إذ ليس في المساجد ما هو مُعيَّن بذاته إلا البيت المعمور، وإلا المساجد التي تشدُّ إليها الرِّحال، إذ هي من بناء الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، فكانت كالنصوص عليه (أي: على مسجديّته) بخلاف المساجد التي بناها غيرهم، فإن الأمر فيها يتبع المصلحةَ التي تختلف باختلاف الأعْصار والأمصار “. أهـ.
جاء في آخر كتاب الوقف من “منتهى الإرادات” لابن النجار (ج 2 ص 21) ما نصه:
ويجوز رفع مسجد أراد أكثر أهله ذلك، وجعل سفله سقايةً وحوانيتَ.
هذا، وقد جوَّز الحنابلة نقل المسجد من مكان إلى مكان آخر إذا دعت الحاجة والمصلحة إلى ذلك، ويسمُّون هذه العملية “مناقَلةً” في الوقف، ويجوِّزونها في غير المسجد من العقارات الموقوفة بطريق الأولوية.
وهَذه المُناقلةُ في غيرِ المَسْجِدِ مَحَلُّ اتِّفاقٍ في مُعظَمِ المذاهِب الفِقْهِيّةِ عِند الحاجةِ، كَما لو تَوهَّنَ عَقارُ الوقْفِ، وضَعُفت غَلَّتُه حَيثُ يُباعُ ويُشْترَى ما هو أحسَنُ منه، فيَحِلُّ محَلَّه في الوقفيّةِ، أمّا في المسجدِ فإنَّ المُناقلةَ محَلُّ خِلافٍ بَينَ المذَاهِبِ.
وحجة الحنابلة في الجواز صَنيعُ عُمرَ بنِ الخطّاب ـ رضيَ الله عنه ـ في خلافته حين نقَب اللصوص جدارَ بيت المال في الكوفة وسرَقوا منه، فأمرَ عمرُ عبدَ الله بن مسعود، رضي الله عنهما ـ بنقل المسجد، وجعل بيت المال في قبلتِه لأجل الرِّقابة؛ لأن المسجد لا يخلو من المُصلِّين، وجعل موضع المَسجد السابق سوقًا للتَّمَّارينَ.
ونقل صاحب “مطالب أولى النهى” تعليقًا على هذه الحادثة للشيخ شهاب الدين بن قدامة في كتابه عن المناقلة في الأوقاف، قال رحمه الله:
“الصحابة إذا ذاك مُتوافِرون، ولم يُنْقَل إنكارُها عن أحد منهم، بل عمر هو الخليفة الآمِر، وابن مسعود هو المأمور الناقل، وإنما ظهرت المصلحة في نقل المسجد لحراسة بيت المال الذي جُعِل في قبلة المسجد الثاني.
ثم نقل في “المطالب” أيضًا موافقة كثير من فقهاء المذهب الكبار والشيخ تقي الدين بن تيمية على ذلك، وتأليف بعضهم رسائل في ذلك، فلينظر في المحل المذكور من “المطالب”.
وجاء أيضًا في كتاب “الفروع” وتصحيحه في باب الوقف تأييد ذلك.
الرأي:
يتضح من هذه النصوص ما يلي:
أ ـ أنَّ نقلَ المسجد من مكان إلى آخر، وإباحةَ المكان الأول لكل داخل إليه لزوال المسجديّة عنه جائز عند الحنابلة للحاجة والمصلحة بإطلاق، خلافًا لغيرهم ممن يَعتبرون صفة المسجديّة في المسجد دائمةً لا تزول إلى قيام الساعة، ويعطُون هذه الصفةَ لما تحت المسجد من أعماق الأرض، وما فوقه من هواءٍ.
ب ـ أن جواز نقل المسجد عند الحنابلة من مكان إلى مكان آخر تتغير به بقعتُه الأرضيّة، يدلُّ بالأولويّة على جواز رفعه في أرضه نفسها، وجعل سفلِه حوانيتَ موقوفة للاستغلال. وهذا ما قد صرحوا به فيما نقلنا من نصوص؛ لأن هذه الحالة الثانية تبقَى فيها أرض المسجد موقوفةً، ويبقَى المسجد على هوائها، وإنما ارتفع عنها طبقةً.
وممّا يَستدعِي الانتباهَ ويؤيِّد تعليل الشيخ تقي الدين ابن تيميةَ رحمه الله (من أنه لا يُوجَد في نظر الإسلام ما هو متعيّن للمسجديّة بعينه سوى المساجد الثلاث التي تشدُّ إليها الرِّحال لأنّها بناها الأنبياء) أنَّ مسجد الكوفة الذي نقله عمر ـ رضي الله عنه ـ لتحقيق حراسة دائمة على بيت المال قد كان من المُمكن تحقيقُ المقصود دون نقل المسجد، وذلك بنقل بيت المال نفسه إلى صقب المسجد دون العكس، فلجوء عمر ـ رضي الله عنه ـ إلى نقل المسجد نفسه لهذه الغاية يؤيِّد كل التأييد رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وتعليله.
ج ـ أن تقييد الإمام أحمد جواز رفع المسجد وبناء حوانيت أو سقاية تحته للحاجة بمُوافقة أكثر أهل المحلّة مفروض في مسجد محلةٍ يقوم عليه أهلها، ويُديرون شؤونه بأنفسهم، كما كان في الماضي زمن الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى.
أما اليوم، وقد أصبح للأوقاف والمساجد إدارات رسميّة، بل وزارات تمثِّل وليَّ الأمر العام، فإن الموافقة عندئذٍ مَرجِعُها هي الإدارة الرسمية، ومع رأي أهل العلم والدِّين في ذلك إذا دعت الحاجة أو المصلحة العامة، كضيق المسجد أو توهُّنه أو تحقيق الصيانة لمفروشاته من البِلَى والتعفُّن إذا كانت أرضه رَطِبةً، أو لتحقيق نظافته وتنزيهه عن دخول الأولاد والمتسكِّعين، أو سوى ذلك من الاعتبارات المصلحيّة.

هذا، ولا يخفَى على أحد من أهل العلم أنّ الأمة غير مكلّفة باتِّباع مذهب بخصوصه من مذاهب الأئمة المجتهدين ـ رضي الله عنهم ـ جميعًا.
على أن في المذاهب الأخرى تعليلاتٍ فيما يقرب من هذا الموضوع تؤيد ذلك، فقد جاء في مجلة الأزهر (عدد جمادى الأولى 1372هـ = 22/5/1953م).
أقوال من مختلف المذاهب، منها ما يلي:
1 – جاء في كتاب “الوقف” من رد المحتار للعلامة ابن عابدين من متأخري الحنفية أنه إذا كان الطريق ضَيِّقًا والمسجد واسعًا، لا يحتاج إلى بعضه، جازت الزيادة في الطريق من المسجد، لأن كلًّا منهما للمصلحة العامة. أهـ.
2 – وجاء في “حاشية العدوي على الخرشي” من كتب المالكية في باب الوقف أن ما كان لله فلا بأس أن يُستعان ببعضه في بعض.
لذلك اتفقت آراء أعضاء اللجنة المكلَّفة، تمحيص أهل الرأي الشرعيّ في هذه الناحية على جواز رفع المسجد القائم على الأرض، وجعل سفله حوانيتَ موقوفةً للاستغلال لما فيه من مصلحة للوقف بزيادة غلته وقدرته على تحقيق ما وقف لأجله، كما يجوز بناء المسجد ابتداء على هذه الصورة بطريق الأولوية.
ولكن اللجنة لا ترى أن يتجاوَزَ رفع المسجد عن الأرض طبقةً واحدة فقط، فلا يجوز أن يُجْعَلَ تحته عدة طبقات من المخازن والحوانيت ونحوها من المراكز التِّجارية، وجعل المسجد فوقها جميعًا؛ لأن رفع المسجد أكثر من طبقة واحدة يؤدِّي إلى صعوبة الصعود إليه، وتثاقل الناسِ من السعي إليه للصلوات، وهذا يعكس الغاية المصلحيّة التي بُنِيَ لأجلها المسجد، ويؤدِّي إلى محذور تقليل المُصلِّين الآمّين للمسجد، ولا يجوز أن يكونَ غرضُ الاستغلالِ، وتكثيرُ غلّة الوقف مؤدِّيًا إلى عكس الغاية التي وُقِفَ المسجد لأجلها، أو إلى صعوبة فيها. والله سبحانه أعلم

أعضاء اللجنة هم: الشيخ محمد محيلان، والشيخ عز الدين الخطيب، والشيخ إبراهيم زيد، والشيخ أسعد بيوض، برئاسة الأستاذ مصطفى الزرقا.