السؤال:

ماحكْم عقودِ التأمين ـ السَّوْكرة ـ ؟

الجواب:

وبعد؛ فأحمد الله تعالى إليكم، راجيًا أن تكونوا بخير وعافية. كنتم باحثتموني في موضوع عقود التأمين (السوكرة) هل تَحِل شرْعًا، وذكرت لكم أني أفتيت بجوازها ولي على ذلك أدلة شرعية وعدتكم بكتابتها.
والآن أختلس من وقتي فُرْجة ضيِّقة جدًّا أَنْفُذ منْها إِلى كِتَابَة رُؤوس أقْلام إجمالية أُرْسلها إلى فَضِيلتِكم، وأَرْجُو أن يُتاحَ لِي مِن الوقت ما يَكْفِي لكتابة رسالة مفصَّلة.

1 – إن عقْد التأمين هذا لا نجد عنه نصوصًا لفقهائنا الأقدمين؛ لأنه لم يكن متعارَفًا فِي زَمَانِهم، وَهُو فِي بِلاد الغَرب حَدِيث الولادة.

2 – إن الفقيه الوحيد الذي بحث عنه فيما أعلم من فقهائنا المتأخرين هو الشيخ ابن عابدين رحمه الله في حاشيته (رد المحتار) في فصل استِئمان الكَافِر من باب المُسْتأْمِن من كتاب الجهاد 3/249 (الطبعة البولاقية الأولى)، وقَدْ استقرَّ رأْيُه فيه على عدم جواز هذا العَقْد في بلادنا بين وُكَلاء التُّجَّار الحربيِّين المُقِيمين في بلادِنا مُسْتأْمَنين، ومن يتعاملون معهم من رعايانا في دار الإسلام؛ بحُجة أن هذا العقد لا يجوز؛ لأنه يُلْزم هذا الوكيل بما لا يَلْزَمُه، فلا يجوز القضاء عليه به، ولا يَحِل للمسلم أن يتعاقد مع مستأمَن إلا بما يَحِل من العقود مع المسلمين، وقد ناقش ابن عابدين ـ رحمه الله ـ هذا الموضوع طويلاً.

3 – إنني أرى خلاف ما استظهره ابن عابدين ـ رحمه الله ـ للملاحظات التالية:
إنني أرى أن المسألة التي نصَّ عليها الفقهاء في كتاب الكفالة، وذكرها ابن عابدين في هذا المقام وردّ دلالتها على الْجواز، وهي ما لو قال رجل لآخر: اسلُك هذا الطريق فإنه آمن، وإن أصابك فيه شيءٌ فأنَا ضامن. . أرَى أنَّ فِيها الدِّلالة الكافية على جواز ضَمان خَطر الطريق، وإن كان الفقهاء عللوها بالتغرير.

ونقل ابن عابدين أن التغرير إنما يوجب الضَّمان إذا وقع في ضمن عقود المعاوَضة. وإني أرى أن قول من قال بأن التغرير لا يوجب الضَّمان إلا إذا وقع ضمن عقود المعاوضة، وهو غير سديد؛ لأن نصوص الفقهاء صريحة في التطبيق بخلافه، فقد أوجبوا ضمان المُعِير إذا أعار أرضًا للبناء وحدّد للمستعير مدّةً، ثم رجع في عاريّته قبل نهايتها، والإعارة ليست من عقود المعاوضة بل من عقود الأمانات. ومسألة العارية هذه مشهورة، ونصَّت عليها المجلة أيضًا. وقد علَّلوا ضمان المُعير هنا بأنه قد غرَّر المُستعير.

4 – إننا في مثل هذه العقود التي فشَت، وأصبحت من ضرورات التجارة العصرية، يجب أن نتلمَّس في النصوص القديمة نوافذ الترخيص والتجويز، فمَتى وجدنا لجوازها منْفذًا نفَذْنا منه، لا أن نأخذ بدلائل التضْييق ووجوهه عندما يكون في النَّص وجهان في الدِّلالة، هذا ما أعْتقد أنه يجب أن يكون مِنْهاجنا الفِقْهي في معالجة الأمور الزمنية، بعد أن يكون في هذه الأمور مصلحة ظاهرة لا مَفسدة، وعندئذ ففي هذا النص المذكور منْفذ واضح لأن فيه جوازًا لضمان خطر الطريق، ومثل هذا النص في ذلك الزمان يُعتبر أكثر من اللازم لنا للدلالة على موضوعنا في هذا الزمان.

5 – إنَّ فقهاءنا، بالإجماع، متفقون على جواز عقد الموالاة ونتائجه في الميراث، وهو قول الشخص مجهول النسب لآخر: أنت وليي ترِثني إذا متُّ، وتعقِل عني إذا جَنَيْتُ، وهذا في حكم الشريعة عقد صحيح، فإذا جنى العاقد الأول لزِم الآخر العِوَض المالي عن الجناية، وإذا مات الثاني ورِثه الأوَّل، وهذه إحدى درَجات الميراث كما هو معروف في الفرائض. وفي هذا العقد من تقابُل وتبادل حقوق والتزامات احتمالية غير محدودة، ولا محقَّقة، ما فيه دلالة أيضًا على صحة المبدأ في موضوع عقد التأمين، ولا يخفى على فضيلتكم، ولا يسعُني الآن الوقت لإيضاحه وبسطه.

6-إن عقد التأمين عقد مُستحْدَث، فيجب أن نحاول تخريجه على ضوء القواعد والمصلحة، فقد كانت المصلحة وحدها دليل الفقهاء في القرن الخامس لتخريج بيع الوفاء، وتصحيحه تخريجًا على أحكام عدة من العقود أخذت أحكامه منها جميعًا، وبعد أن ظلّوا في بخارى ردْحًا من الزمن يُفتون بعدم جوازه، عنْدما كانوا ينظرون إليه من زاوية أحد العقود فقط، أي: من زاوية الرَّهن وحْده، أو البيع وحده.

ولاشك اليوم أن عقد التأمين ضرورة مُبْرَمة للتِّجارة، التي باتِّساعها واتِّصالها مع الأقطار النائية من العالم، وازدياد الأخطار بازدياد وسائل السرعة في المُناقلات، وكذا في قضايا أضرار السيارات التي بحسب القوانين تحمل المالك نتائج أخطاء السائق المفلس غالبًا صيانة للأرواح، ولا يمكن اليوم الاستغناء عن تلك الوسائط. يُضاف إلى ذلك ما يُلحظ من أن بعض هذه الأخطار قد تجتاح ثروة الإنسان بكاملها بين لحظة وأخرى، كل ذلك يجعل من عقد التأمين أمانًا في المعاملات والحوادث، يوزَّع الضرر بالنسبة للضامن ـ على عاتق الشركة ـ أي: مجْموع المُساهمين، ويُقيمه من إصابته بالحادثة ناهضًا على قدميه كأنه لم يُصبْه شيء، فهذا العقد أقرب إلى عقْد تَعاوني لتلافي الأضرار بأسلوب تعويضي معيَّن. ودليل المصلحة فيه أن من لا يعقد التأمين في المواطن التي تستدعيه يعتبر في نظر الناس مغامرًا مخاطرًا.

وإذا كانت مصلحة الناس في حصول المُحتاج على المال اللازم له، وحصول الغني على مَسكن بلا أجرة قد سوَّغت للفقهاء الأقدمين أن يُفتوا بجواز عقد بيع الوفاء الذي لا يخرج في جوهره عن منفعة لِقاءَ قرْض هي في نظر الفقهاء جميعًا من قَبيل الربا، أفلا يكون في هذه الحاجة بل الضرورة المُبْرمة لمصلحة التجارة والصناعة والمواصلات العصرية، ودرء أخطارها الجديدة الناشئة غالبًا أيضًا من وسائل أيضًا جديدة لا غني عنها للناس، أفلا يكون في ذلك مسوِّغ لعقد التأمين الذي لا ينْطوي في جوهره على الربا، بل على فكرة تعاونية، وترميم أضرار وكوارثَ قد تكون كبيرة جدًا ؟ وليس في الشريعة عنه نصٌّ مانع. هذا ما يخطر لي الآن أن أكتبه على عجل إيجازًا للموضوع، الذي يجب أن يكون موضوع رسالة وافية.
أما قضية التأمين على الحياة فإني لم أتناولها الآن في هذا البحث؛ لأن فيها شيئًا من التعقيد، وتحتاج إلى بحث تحليلي أوسع أرجئه لمناسبة أخرى (1).
وأختم بالتحيات الطيبات مع جزيل الاحترام لفضيلتكم.
والسلام عليكم ورحمة الله.
دمشق / 26 / ربيع الأول / 1375هـ
11/ تشرين الثاني / 1955م.


هامش
(1) وقد وَفَّى هذا الموضوع حقَّه من الإيضاح والبحث العلامة الأستاذ مصطفى الزرقا في كتابه “عقد التأمين وموقف الشريعة الإسلامية منه” وقد صدرت الطبعة الرابعة عن مؤسسة الرسالة، فليرْجِع إليه مَن يشاء للنظر في الأدلة الشرعية بالتفصيل. (مجد).