السؤال:

ما حكم إسقاط جزء من ثمن البيع مكافأة للمشتري الذي يدفع الثمن المؤجّل في الوقت المتفق عليه بلا تأخير؟

الجواب:

من المسلَّمات البدَهيّة شرعاً وقانونًا أن ثمن المبيع المُقدَّر بالنقود بين المُتابعين، يصبح بمجرد انبرام البيع دَينًا في ذمّة المشتري، فإن كان البيع بثمن حال استحق البائع قبضه من فوره قبل تسليم المَبيع، وإن كان مؤجّلاً أو مُنجَّمًا على أقساط يجب على البائع تسليم المبيع أولاً، ثم على المشتري بعد ذلك أن يؤدِّيَ إليه الثَّمن جملة أو أقساطًا في المواعيد المُتّفق عليها.
فقد جاء في المادة / 152 من المجلة: “الثمن ما يكون بدلاً للمَبيع ويتعلَّق بالذمة ” وجاء في المادة / 158 منها: الدّين ما يثبُت في الذِّمّة كمقدار من الدّراهم في ذمّة رجل…”.
أي: أنّ ثمن في عقد البيع حينئذ هو دين كسائر الدين التي تثبت في الذمة بمختلف الأسباب العقدية وغير العقدية، من قرض أو إجارة أو صلح أو كَفالة أو إتلاف، أو أي فعل ضارٍ، فيعامل ثمن المبيع ـ وهو في الذمة معاملةَ سائر الديون، ويأخذ أحكامَها ثبوتًا، ووفاءً، وسقوطًا، وإبراءً، وتقادُمًا.
والدَّين في الذمة يعتبر ـ فقهًا ـ مِلْكًا للدّائن يتصرّف فيه، ويُحيل عليه، ويُصالح عنه، ويُبرئ المَدين منه كلِّه أو بعضه، ويتعاقد عليه معه. (ر: المجلة / 252).
فلو اشترى الدائنُ مِن المَدين شَيئًا بدينِه الذي له عليه، أصبح هذا الدّين ثمنًا للمبيع، ويعتبر البائع قد قبضِه بامتلاكِه المبيعَ بدلاً منه.
ولا شكَّ في ضوء هذه القواعد: أن إسقاط جزء من ثمن المَبيع هو إبراء من البائع الدائن للمشتري عن هذا الجزء من الثمن يُسقطه عن ذمته.
وقد نص الفقهاء على أن مصالحة الدائن للمدين على أن يأخذ بعض الدينِ فقط هي مصالحة صحيحة، ويعتبر فيها أن الدائن قد استوفَى جزءًا من دينه، وأبرأ المَدين من الباقي (ر: المجلة: 1552 وشروحها).
وجاء في “مرآة المجلة” تحت هذه المادة نقلاً عن “لسان الحكام” وعن “المحيط البرهاني” أنه: “لو كان لرجل على آخر ألف درهم، فصالحه منها على خمسمائة جاز، وإن فارقه قبل أن يعطيَه إياها؛ لأن هذا الصلح إبراء عن النصف..وليس بصرف؛ فلذا لا يُشترَط فيه قبض بدل الصلح ـ وهو الجزء المُصالَح عليه، أي: الخمسمائة ـ في المجلة، والأصل فيه أن الصلح إذا وقع على جنس الحق يعتبر استيفاء البعض، وإسقاط البعض”.
وإذا كان هذا في الصلح على بعض الدين، وهو عقد قد يُشتبَه في جواز وقوعه على الدين، فيجوز؛ لأنه كالإبراء عن باقي الدين، فإنه يفيد جواز الإبراء المباشِر عن بعض الدين بطريق الأولويّة.
وبدَهي أن إسقاط الدين أو بعضه عن المَدين، أو التنازُل عنه هو إبراء بأي تعبير صَدَرَ.
والإبراء عن الدين كلًّا أو بعضاً صحيح؛ لأنه تصرف من صاحب الحق في خالص حقه، بأي تعبير صدر من التَّعابير الدالة على معناه، وهو قصد الدائن التنازل عن دينه، سواء صدر بلفظ الإبراء أو الإسقاط أو التنازل أو الترك ونحو ذلك.
وفي هذه الحال لا يشترط قَبول المدين؛ لأنه ليس بعقد بل هو إسقاط، ولكنه يرتدُّ برد المدين إذا رفضه، فيلغي الإسقاط، ويبقى الدين.
ولكن لو قَبِلَ المَدين الإبراء صراحة أو ضمنًا بالسكوت حتى اعتُبر الإبراء نافذًا، ثم بدا له أن يردَّه فردّه ورفضه لا يصح رفضُه، ويبقى الإبراء نافذاً ولا يعود الدين الذي سقط به؛ لأن القاعدة الفقهية أن ” السَّاقط لا يعود “.
(ر: المجلة 1568 وشروحها).

الخلاصة:
إن إبراء البائعِ المُشتريَ عن جزء من الثّمن المؤجَّل مكافأة له على حسن الوفاء، والتقيُّد بالمواعيد لا مانع منه شرعًا؛ لأنه إبراء عن جزء من الدين، وهو تصرُّف صحيح من البائع؛ لأنه تصرف بالإسقاط في خالص حقِّه القابل للإسقاط.