السؤال:

توحيدُ الفقه الإسلامي رغبة تتردّد أصداؤها على ألسنة بعض الناس منذ سنوات، ورغم أن هذه الرغبة تجِد صدًى طَيِّبًا وتجاوُبًا عند الكثيرين، لكنّ هذه الرّغبة يتضِح عدم جَدواها من الناحية العمليّة، حينما نتعرّف على فوائدِ تعدُد الاجتهادات في المَسألة الواحدة.
لقد توجَّهت “المسلمون” بهذا السؤال الذي طرحه عليها العديد من القرّاء إلى عالم فاضل، وفقيه موسوعي معروف بأنه أحد أعلام الفقه والقانون في العالم الإسلامي في عصرنا الحاضر، وهو فضيلة الشيخ مصطفى أحمد الزرقا.

الجواب:

أولاً ـ تَوحيد الفِقه تصوُّر خيالي ساذَج وغير مُمْكِن:
يَستحيل توحيد الفقه ليس في العالَم العربي والإسلامي فحسب، بل أيضًا في دنيا القانون وعلمائه كافّة، إذا قصدنا في التعبير بالفقه معناه الحقيقيّ العلمي في اصطلاح المُتشرِّعين:
إن النُّظُم عامّة في كلِّ مجتمع نظاميّ، سواءٌ أكان نظامه وضعيًّا أم كان إلهيَّ المصدَر، إنَّما تتألّف من نصوص إلزاميّة، وإن النّصوص دائمًا لا يُمكن أن تستوعِب بالصّراحة جميع الحالات المُمكِنة الوقوع، فإذا وقعت حوادِث ممّا سكتت عنها النُّصوص، فلابد عندئذٍ من إعمال الفكر لإعطاء الحادثة حكمًا مناسِبًا لرُوح النّص، وأقرب إلى غرض الشّارع، وذلك بطريق القياس، أو بالتّخريج على القَواعد العامة، وهذا فقه.

وقد تَتعدَّد وجوهُ القياس، فتبدو للفقهاء في المَسألة الواحدة طُرق قياسيّة عديدة كلٌّ منها وجيهُ النظر، فتختلف آراؤهم في أيّها هو الأوجَه والأقوى، ويختلف في النتيجة الحكم الذي يترجّح في نظر كلٍّ منهم.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد يكون النَّص نفسه يحتمل أن يُفهَمَ على أكثر من وجه، وتكون كلُّها مقبولةً رغم اختلافها، فهذا مجال واسع في فَهم النُّصوص وتفسيرها تختلف فيه آراء العلماء للمُتشرِّعين في ترجيح الفَهم الذي يَرى العالم الفقيهُ أنّه هو الصحيح، أو الأصح أو الأقرب إلى غرض الشارع، أو الأكثر انطباقًا على القواعد المقرّرة المستمَدّة من مجموع النصوص ذات العَلاقة في كلّ موضوع. وكل ذلك أيضًا هو فقه يقوم حول النصوص التشريعيّة، فَهمًا لها وقِياسًا عليها، وتفريعًا على قواعدها، وتخصيصًا لعموماتها بالقرائن، أو تعميمًا للخاصِّ منها، ونحو ذلك ممّا لا يُمكن أن تتحِدَ فيه فُهوم العلماء، فكيف يمكن توحيد الفقه إذًا؟ إن ذلك لا يُمكن إلا إذا أمكن الحجر على أفكار العلماء المتشرِّعين، حتى لا يستطيع أحد أن يفهَم من النّص التشريعي غير ما يَفهمه سواه، ولا أحد يَتصور إمكان هذا الحَجْر!! فلابد من أن تختلف آراء الفُقهاء حول النصوص.

وهذا واقع في ظِلّ نصوص التّقنين الوضعيّ، كما في نُصوص الشريعة الإسلاميّة من الكتاب والسنة النبويّة، والفقه القانوني زاخر بالآراء والنظريات والمذاهب المختلِفة، بل والمتعاكِسة في كثير من مسائله وموضوعاتِه.
تعدُّد المذاهب واختلاف الاجتهادات:

ومن ثمّ تتكوَّن المذاهب الفقهيّة نتيجة لاختلاف الآراء الاجتهاديّة في تنزيل الوقائع على النصوص والقواعد: فتختلف آراء الفقهاء في العقود صحّةً وبُطلانًا، وفي الحقوق والالتزامات الماليّة، وفي التكاليف العملية، وفي التّحريم والإباحة إثباتًا ونَفيًا، وكلُّهم يستنِدون إلى نصوص تشريعيّة وقواعد واحدة، وكلُّ ذلك من الفقه الذي يقوم في كلِّ نِظام تشريعيٍّ حول نُصوصه وتفسيرها، واستنتاج الأحكام منها.

ولنأخذ للإيضاح على سبيل المِثال من العِبادات نصَّ القرآن العظيم في الوُضوء لأجل أداء الصلاة: فقد أمر بغَسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغَسل القدَمين، فثارت في الفكر الفقهي في ضوء هذا النصِّ تساؤلات كَثيرة، منها:
هل من اللازم لصحّة الوضوء أن يبدأ المكلَّف بالعضو الذي ذكره القرآن أولًا ويُثَنِّي بما ذكره ثانيًا، وهكذا..وهي مسألة التّرتيب في الوضوء بيِّن الأعضاء؟

فمن الفُقهاء من فهِموا عدم لزوم الترتيب، فلو بدأ المتوضِّئ بغُسل الرِّجلين، وانتهى بمسح الرّأس مثلاً صحّ وضوؤُه؛ لأن العطفَ بالواو لا يدلُّ لغةً على الترتيب في الحدوث. فإذا قيل: جاء زيد وعمرو وصالح. لا يُفيد هذا أيُّهم جاء قبل الآخر، ولا أنهم جاءوا منفرِدين أو مجتمِعين، فإذا أريدَ إفادة التّرتيب وَجَب العَطف بالفاءِ، فيقال عندئذٍ: جاء زيدٌ فعمرو.. وإلى هذا ذهب فَهم الإمام أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى.

ومنهم من فَهِمَ من نسق البيان لزوم الترتيب، لصحّة الوضوء؛ لأن ذِكرَ مسح الرأس فاصِلًا بين أعضاء ذُكِرَت قبله وبعده كلُّها مغسولة، يدلُّ على قصد الترتيب، إلى هذا ذهب فهم الإمام الشافعيّ ـ رحمه الله تعالى.
ولنأخذ مثالاً آخر من المُعاملات قول القرآ، الكريم: (يا أيُّها الذِين آَمَنوا إذَا تَدَايْنَتُم بِدَيْن إلى أَجْلِ مُسمًّى فاكتُبوه…وإنْ كُنتم على سَفَرٍ ولم تَجِدوا كاتبًا فرِهانٌ مَقبوضةٌ..) فهل وَصْف الرّهن بأنه مقبوض يُفيد وجوب قبض المَرهون ليصحَّ عقد الرهن، فإن لم يقبض في مجلس العقد كان باطلاً؛ لأن الرّهن بلا قَبْضٍ يَفقد غايتَه التّوثيقيّة؟ إلى هذا ذهب فَهم أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى.

أو أن هذا الوصف لا يُفيد اشتراط القبض لصحة العقد، فينعقِد الرهن دون قبض المرهون، وللمرتهِن مُطالبة الرّاهِن بتسليمه، كما يُطالب المشتري البائِعَ بتسليم المَبيع، والمستأجِر بتسليم المأجور.
إلى هذا ذهب فَهم الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى.
فمن الذي يَستطيع الحجر على فكرة فَقيه أن يفهَم من النّص التشريعي فَهمًا يراه هو الصّواب خلاف ما يفهَمه غيره؟ هذا مُستحيل.

ثانيًا: اختلاف الفقهاء سَعةٌ ورحمة:

هل هذا الحجرُـ لو أمْكنَ، ووحدة فهم الفقهاء في تفاصيل الأحكام الاحتمالية وتفرعاتها ـ هو الأفضل والأصلح في ظِلّ النظم التشريعيّة ونصوصها؟ بمَعنى أن اتِّفاق آراء الفُقهاء المُتشرِّعين في كلّ صغيرة وكبيرة من المسائل الأساسية والفرعيّة هو خير للأمّة؟

إنّ الخَير والأفضل هو في خلاف ذلك قَطعًا، أي: هو في اختلاف فُهومهم واجتهاداتهم؛ لأنّ هذا الاختلاف في الفَهم والاستنتاج من النُّصوص يُوجِد في الأمّة ثروة من الفِكر التشريعيّ هي محلّ اعتزاز وامتياز للأمة، ويُوجَد لديها من مختلف المبادئ والقواعد والأنظار الفقهية والنظريّات الحقوقيّة أُسسًا صالحة لحلِّ المُشكلات العارضة باختلاف الظروف، ويفتح مجالات واسعة لاختيار الحلول الأفضل كلما دعت الحاجة، وأظهر التّطبيق بعض المُشكلات، أو كشف عن بعض الفَجوات التي تحتاج إلى ملء بأحكام مناسبة مستمَدّة من رُوح النُّصوص وغرض الشارع.

ففي نظم الأحوال الشخصيّة (أحكام الأسرة) الحديثة في البِلاد العربيّة وأحكامها، التي يجِب أن تُستمدَّ من فقه الشريعة لصلتِها بالعقيدة الإسلاميّة في الحلال والحرام، أُقيمت قواعد وأحكام حُلت بها مُشكِلات، وتحقّق بها إصلاح كبير في حياة الأسرة الإسلامية، ولولا اختلاف المذاهب الفقهيّة التي استُمدت منها تلك الأحكام لما كان إليها من سبيل (مثل مشكِلة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، ومشكِلة تعليق الطّلاق استُعمل استعمال اليمين للحثِّ أو للمَنع، ومشكِلة ابن المحروم في الميراث التي عُولَجت بطَريق الوصيّة الواجِبة المقرّرة في بعض المَذاهب الفقهيّة).

وفي مجال العِبادات وأحكامِها التفصيليّة يُعطي اختلافُ المذاهب الاجتهاديّة كلّ مُكلَّف فُسحةً كبيرة تيسِّر له طاعةَ ربِّه، فتدفع عنه مشقّات يعرفها الممارِسون من أهل العلم، مثل الاختلاف في بعض نواقِض الوضوء كخروج الدّمِ ولمْس المرأةِ، وكالمَسح على الجَوربَيْن في الوضوء (ولا سيِّما في الشِّتاء) ومثل ذلك في المُعاملات كثُبوت خِيار العَيب للمُشتري إذا أَخفى البائع عيبًا في المَبيع عمدًا وتَدليسًا، واشترط البَراءةَ من المسؤوليّة عن العَيب؛ ممّا يجعل العاقِدَ مسؤولاً عن الغِشّ المتعمَّد رغم كلِّ اشتراط يُعفيه (وهو النظر السائد في القانون الوضعيّ أيضًا).

وهذا مُجمَل ومعنى ما ورد في الأثر: “اختلاف أمَّتي رحمة”(1)، وهو نصُّ حديث نبوي ضعيف الثبوت، لكنّه صحيح المعنى، والمُراد به الاختلاف في الفروع، أي: في مسائل الفقه العمليّة، أما الاختلاف في أصول الدِّين والعقائد فهو مُصيبة تُمزِّق الأمّة، كما أوضح الإمام المناوي وغيره (يُنظر فيض القدير شرح الجامع الصغير تحت الحديث 288) فمن الخير والنِّعمة هذا الاختلافُ الفقهي الذي أورثنا تلك الثروةَ الفقهيّة الهائلةَ، مُتعدِّدة الآراء، وجَمّة العَطاء.

ثالثًا: بين توحيد الاجتهادات وتوحيد الحكم القضائيّ:
وهنا يجب الانتباه إلى أمر عظيم الأهمية، وهو التّمييز بين توحيد الفقه وتوحيد الحكم القضائي، فإذا كان توحيد الفِقه مُستحيلًا، وليس من مصلحة الأمّة، فإن توحيد الحكم القضائي فيها ضروريٌّ، ونَعني بتوحيد الحكم القضائي وحدةَ التّقنين من الفقه، وذلك بأن يُختار في كلِّ مسألةٍ من مسائل المُعاملات من بين الآراء الفقهيّة فيها ـ إذا كانت متعدِّدة ـ ما هو أصلح أو أعدلُ أو أوجه دليلًا أو أيسر تَطبيقًا، فتقننه السُّلطة المُختصّة حتى يكون هو وحده النافذَ المعمول به في القَضاء. فهذا التدبير النظامي في أحكام المُعاملات بغية توحيد الحكم القضائي فيها هو اجب في طريق إقامة النِّظام وتحقيق العدل، ولا يَتنافى مع تعدُّد الآراء والمَذاهب الفقهيّة مهما كثُرت واختلفت.

وذلك كما حصَل في وضع مجلة الأحكام العدليّة في أواخر عهد الدولة العثمانيّة، حيث اختِير أحسنُ الآراء الفقهيّة المختلفة من المذهب الحنفي، وصِيغت في مواد بأرقام متسلسلة، وأصدرت سنة 1293هـ فكانت أول قانون مدني مستمدٍ من الفقه الحنفي، وأصبح بها القضاة والمُتاقضُون جميعًا في الدولة أمام حكم إلزاميٍّ واحد في كل مسألة من المسائل والقضايا التي تناولتها المِجلة بالتّقنين، مهما كانت الآراء في مصادِرها الفقهيّة متعدِّدة ومختلفة.

فلا يجوز أن يُترك القاضِي لاجتهادِه بين الآراء الفقهيّة المختلفة لِيَختار هو منها ما يَقضي به، لأنّ هذا الإطلاقَ يتنافَى مع مَبدأ علنيّة الشّرائع الذي يوجِب أن يكونَ المكلَّف في كل مجتمَع نظامي (دولة) على علم مسبَق بمَصير أعمالِه وتصرُّفاتِه في حكم النظام الذي سيقضي به القاضِي له أو عليه، وإلا كان القِضاء فوضى، والمكلّف لا يعرِف كيف يتصرّف مُطيعًا للنظام؛ لأنّه لا يستطيع أن يتنبّأ مسبقًا بموقف القَضاء من تصرُّفاته ما دام القاضِي سيقضي باجتهاده هو واختياره، وليس بحكم مُعلَن معروف، فإذا كان اختلاف الفقهاء رحمة ونعمة وثروة ومزيّة، فإن عَدَم توحيد الحُكم القضائيّ مُصيبة وبَليّة!!

هذا، وإن اختيار بعض الآراء الفقهيّة في وقت ما لتقنينِه وتوحيد الحكم القضائي عليه لا يمنع تَغيير هذا الاختيار، واستبدال غيره به من الآراء الفقهيّة الأخرى كلما تبدلّت الظروف والحاجة، أو رُؤِيَ غيرُه أصلحَ منه.

وهكذا تتحقّق للأمة مصلحتان: توحيد الحكم القضائيّ وهو أمر ضروري، والاستفادة من جميع المذاهب الفقهيّة.
وهذا الأمر ـ أعني: تقنينَ الفِقه وتوحيد الحكم القضائي فيه من بين مختلف الآراء الفقهيةـ موضوعٌ عميق وذو مُلابَسات تعصبيّة، فبعض العلماء لا يقبلونه، ويُريدون إطلاق الاجتهاد للقاضي في أحكامه دون مُبالاة بمحاذيرِ هذا الإطلاق، ومنافاتِه لمبدأ علنيّة النظام وقواعده، ومجال القول في هذا الشأن واسع، فأكتفي بهذه الإشارة إليه.
وظنِّي أن السّائل الكريم عن (العراقيلِ) التي تحول دون توحيد الفِقه، إنَّما يقصد توحيد الحكم القضائي هذا الذي أشرنا إليه، لا توحيد الفقه الذي معناه منع اختلاف الفقهاء في الرأي الاجتهادي، ولكنّه أخطأ التّعبير السّديد عن مُراده.

وإذا صَدق ظنِّي هذا في مراد الأخ السائل فجوابي عندئذٍ أن العائِق الأساسيّ الذي يحول دون توحيد الحكم القضائي عن طريق تقنين موحَّد لأحكام المُعاملات يُختار فيه أحسنُ الآراء الفقهيّة من مختلف المذاهب، أقول: إن العائِق الذي يحول دون ذلك أمران:

الأول: هو التعصُّب المذهبيّ في بعض البلاد التي سادَ فيها أحد المذاهب وحُجِبَ عنها مزايا المذاهِب الأخرى، فصارت دراسة الفقه مذهبيّة لا مقارَنة.

الأمر الثاني: اتِّجاه فريق من المسؤولين والمُثَقّفين ذوي النفوذ في بلاد عربيّة أو إسلاميّة أخرى، ممّن عَمِلَ فيهم الغزو الفكري الأجنبِيُّ عَمَله، فجهِلوا واحتقروا قيمة تراثهم الفقهي المنقطِع النّظير، ويريدون تقنينًا أجنبيًّا، إذ يَرون أن كلَّ تقليد للغَرب، أو استمداد من حضارتِه الأجنبيّة في المَظهر أو في الجوهر الحضاري هو عنوان التقدميّة، وهذا نتيجة بعدهم عن الإسلام علمًا وعاطفة وصبغة حضاريّة، وهذا السّبب نسمِّيه: الاستغرابَ.

فأما السَّبب الأول (التعصُّب المذهبيّ) فهو بحمد الله في هذا العصر آخِذ في الاضمِحلال؛ إذ أصبح الانفتاحُ على المذاهب الفقهيّة جميعًا من سِمات الفقيه المعاِصر النِّيِّر، ومحَلًّا للتقدير.

والموسوعة الفقهيّة التي يقوم بها اليوم مشروعان اثنان أحدهما في الكويت، والآخر في مصر، ويعرض فيها فقه المذاهب مرتَّبًا بالترتيب الألفبائي المُعجمي بحسب أوائل الحروف في عناوين الموضوعات والمسائل، لتسهيل مراجعته لكل طالب هي من ثمار هذا الانفتاح الفقهي، فالموسوعة الفقهيّة تقوم بتعبيد الطريق إلى توحيد الحكم القضائي بتقنين موحّد للبلاد العربية، كما سبقت الإشارة إليه.

وأما السّبب الثاني وهو الاستغراب فعلاجه أن يوضح للمسئولين وسائر المُستغرِبين قيمة تراثهم الفقهي وأصالته وسَعته وسموّه ودقته وامتيازه حتى يُدركوا قيمتَه، ويتّجِهوا إليه، نتيجة لشعورهم بشخصيتهم الحضاريّة المستقِلة، ويأنَفوا من التبعيّة التي تُذِيبُهم، وعلى علماء الإسلام وفقهائه أن يُبرزوا لأعينِهم صور هذا التراث الإسلامي الرائعة، بالأسلوب والطريقة واللغة التي يستطيعون فَهمها، وهذا الشعور قد ظهرت بوادِرُه ـ والحمد لله ـ أيضًا نتيجة للكوارث التي لحِقت بالبلاد العربيّة والإسلامية وأهلها من جَرّاء تلك التبعيّة الحضاريّة للطامِعين ذوي الأهداف الاستعماريّة.

ومن بوادِر هذا الشُّعور أن الدائرة القانونيّة في جامعة الدول العربية تقومُ اليوم بإعداد مشروع قانون مدنيّ موحّد للبلاد العربيّة على أساس الفقه الإسلامي بناءً وجوهرًا، بالأسلوب القانونيّ الحديث شَكلًا، والوفاء بحاجات العَصر المستجِدّة مضمونًا.

وقد أُلِّفتْ فيها لجنتان لهذا العمل: لجنةعامّة، ولجنة خبراء خاصّة تضع نصوص المشروع ومذكرته الإيضاحيّة، وهي تتابَع عملَها في دورات. وكاتب هذا الجواب من أعضائِها.
والله سبحانه هو الموفِّق الهادِي إلى سواء السّبيل، هو حسبنا ونعم الوكيل.

 


الهوامش

(1) الحديث لا يثبُت، وانظر: “المقاصد الحسنة” ص 26، و”كشف الخفا” 1: 64، و”الجامع الصغير” 2: 212: “وأما معناه فصحيح، قال الخطابي في “أعلام الحديث شرح صحيح البخاري” 1: 219: “وأما وجْه الحديث ومعناه: فإن قوله: “اختلاف أمّتي رحمة”: كلام عام اللفظ المُراد، وإنَّما هو اختلاف في إثبات الصانع ووحدانيّته، وهو كفر، واختلاف في صفاته ومشيئته، وهو بدعة، وكذلك ما كان من اختلاف الخوارج والرّوافض في إسلام بعض الصّحابة. واختلاف في الحوادث من أحكام العبادات المحتمَلة الوجوه، جعله الله ـ تعالى ـ يُسرًا ورحمة وكرامة للعلماء”. وقد تلقّى العلماء هذا الكلام من الإمام الخطابي بالقبول، ومنهم النووي في “شرح صحيح مسلم” 11: 91-92. ومن بعد النووي: ابن حجر، والقسطلاني، وشارحه الزرقاني، والعجلوني. وانظر كتاب “أدب الاختلاف” للأستاذ محمد عوامة ص 102 ـ 117. (مجد).