السؤال:

هل تخضع مِطحنة الحبوب ومصانع الطوب لفريضة الزّكاة؟ وإذا كانت تخضع فهل يقتصِر التكليفُ الشرعي على الآلات والبناء أو يضاف إليها الإيراد طَوال العام؟ وما حكم العمارات السَّكَنيّة وغيرها من أوجه الاستثمار بالنسبة إلى الزكاة؟

الجواب:

نص الفقهاء على أن المال الذي يخضع لفريضة الزكاة هو المال النامي فعلاً أو تقديرًا من حيوان ونبات وغيرها بشرائط.
فأما الحيوان والنبات فلكلٍّ منهما ـ شرعًا ـ نظام تفصيلي خاص ليس مسؤولاً عنه الآن.
وأما سواهما فيشمل السلع التجارية والذهب والفضة ولو غيرَ مسكوكين، ثم سائر النقود المَتداوَلة من غيرهما (يدخل فيها اليوم المسكوكات المَعدِينة والأوراق النقدية).
والمراد بالسلع التجارية ما هي تحت المتاجرة بالفعل لا مجردُ كونِها قابلة للإتجار بها.
وأما الذهب والفضة وسائر النقود فتشمل المخزون المكنوز، والمستثمر فعلاً؛ لأنها تعتبر نامية تقديرًا، والشرع يحظر النقود وتعطيلها عن الاستثمار الذي خُلقت له، بخلاف السلع، فإنها محلٌّ للانتفاع بعينها استهلاكًا أو استعمالاً، فميَّز شرعًا فيها بين النامي فعلاً وبين ما هو مخصَّص لوفاء الحاجات الشخصية كمفروشات البيت، وكُتُب القُنية ولو صاحبُها غيرَ عالِمٍ .
ويُستثنَى من ذاك بعض مستثنيات في حالات، منها آلات الحرف والصناعات التي يستخدمها صاحبها العامل فعلاً في العمل الإنتاجي بخلاف هذه الآلات إذا كان صاحبها يتاجر بها تجارة، فإنها خاضعة للزّكاة.
أما العَقار فإذا كان صاحبه يتاجر بعينه تجارة بيعًا وشراءً، فهو عندئذٍ يَتْبَع حكم السلع التجارية ويخضع للزكاة بشرائطها، وإذا كان لسُكنَى صاحبه أو لعمله فلا زكاة فيه، وإذا كان الاستغلال بالإيجار فلا زكاة في عينه؛ لأنهم اعتبروا عينه حينئذ غير نامية، ولكنّ غلته تخضع للزكاة بشرائطها من النصاب الزّائد والحول.
هذه خلاصة موجَزة مكثَّفة (دون تفصيل الشرائط غير المسؤول عنها) لما يقرره العلماء.
ومنها يُعلم أن المَعامل سواء أكانت للطوب أم للطحن أم سوى ذلك لا تخضع آلاتها ولا بناؤها لفريضة الزكاة بحسب ظاهر نصوص الفقهاء، ولكنْ تخضع الموادُّ الأولية التي تعمل فيها وثمراتها المالية التي تنتج من استثمارها بشَريطة النصاب الزائد والحول؛ لأنها عندئذٍ مال تجاريٌّ نامٍ.
وشَريطة الحول ليس معناها أن تبقَى المنتوجات مجمَّدة حتى تمضيَ عليها سنة لكي تخضعَ للزكاة، بل إنَّ الحوْل يسْري عليها لو بَقِيَت، ويستمرُّ اعتباره ساريًا دون انقطاع على عوضها ونمائها لو بِيعت في أثنائه؛ لأن عِوَضَها خَلَفٌ عنها.
على أن من فقهاء العصر من يرى ضرورة إخضاع معامل الصناعة الآلية اليوم بآلاتها ومبانيها للزكاة؛ لأنها قد تمثل اليوم رؤوس أموال (ضخمة استثمارية نامية) بخلاف آلات الصناعة اليدوية قديمًا. لكنني أرى أن هذا لا يجوز لفرد أن يُفتيَ من تِلقاء نفسه، بل يتوقف على اجتهاد جماعي من وظيفة مَجمع فقهي نرجو أن يوجد في العالم الإسلامي.
على أنه إذا نظرنا إلى أعمق من الظاهر قد ندرك أن المصانع الآلية المتطورة بصورتها الحاضرة الضخمة اليوم ـ آلات وبناء ـ قد يكون في عدم إخضاعها للزكاة مصلحة لا تقل عن المصلحة الملحوظة في إخضاعها إن لم تزِد، فإن ما تفتَحه من أبواب العمل المُنتج للعمال والفقراء، فتحرِّك فيهم طاقات كبرى كانت عُرضة للتعطيل والشلل، وتَدِرُّ أرزاقًا لأولادهم وأُسَرِهم، وتُدير دولاب الاقتصاد العام في جميع أنواعه، إن هذا الأثر كلَّه تستحق به المَعامل هذا التشجيع على إنشائها بعدم إخضاعها لتكليف الزّكاة لو أن أصحابَها جَنَوْا من ورائها أرباحًا وثرْواتٍ ضخمةً، ولا سيما إذا عرَفنا أن تلك الثروات والأرباح خاضعة للزكاة (إلى جانب ما تفرضه النظم المالية اليوم من ضرائب لا يفلِت منها بناءٌ ولا آلةٌ ولا دَخْلٌ) ولو أدَّى أصحابُها زكاة مواردها لكان فيها خير عَميم.
فلا أرى من الجائز بتفقُّهٍ فردي ومرتجل أن يُفْتَى بإخضاع مباني المعامل وأثاثها، وآلاتها لتكليف الزكاة، ولنسِرْ على خُطى فقهائنا الأولين في الصورة الابتدائية الأولى، ففيها حكمة ورَويّة ومصلحة تنطبق على الصورة المتطورة الحديثة لهذه المعامل .
والله سبحانه أعلم.