السؤال:

ماهو حكم ما يخرج من المرأة في الحالات العادية من رطوبة سائلة، وهو ما يسمَّى بين الناس وعند النِّساء: الطُّهر، هل ينقُض الوضوء؟ فيجب على المرأة أن تتوضأ للصلاة بعد خروجه، أو أنه غير ناقض مع ملاحظة أنه لا يمكن التحرُّز منه، وهو يخرج بصورة طبيعيّة في معظم الأوقات، فما هو حكم الشَّريعة فيه؟

الجواب:

وقد تفضّل الأستاذ مصطفى الزرقا بالإجابة التالية ردًّا على هذا السؤال:
سُئلت فيما مضى كثيرًا عن هذا الموضوع، وكنت أبيِّن شفهيًّا للسائلين من رجال ونساء أن هذا السائل اللّزِج الذي يخرج من المرأة في الحالات العادية (لا في الحالات المرضيّة)، ويسمِّيه الناس الطُّهر ـ ليس بنجِس شرعًا ولا ينقض وضوء المرأة، كما يقرِّره الفقهاء، ومن السائلين من يَستغرب هذا الجواب؛ لأنهم متصورون خلافه، ويتأكّد مني فأؤكد لهم.. كأنما كل ما فيه تيسير وتسامح ودفع للحرج والمشقّة فيما يتَّصل بواقع الحياة الطبيعيّة، يراه أناس غريبًا، حتّى كأن معنى الشريعة لا يتحقق إلا في الإرهاق والمشقّة، مع أن هذه الشريعة الغرّاء السمحة أساسها التيسير ودفع الحرج.
وأخيرًا جاءني سؤال خطِّي، ولم يقنَع صاحبه بجوابي، فطالبني بالمستند من النصوص! لذلك سأنقل الآن للحضارة(1)، جوابًا على هذا السؤال، النصوص التالية:
قال في كتاب الطهارة من “الدر المختار” أول بحث نواقِض الوضوء:
“وينقُضه خروج كلِّ خارج نجِس”.
وقال أيضًا فى بحث الغسل: (صفحة 112 الطبعة البولاقية الأولى): “وسيجيء أن رطوبةَ الفَرج طاهِرة عنده”.
أي: عند الإمام أبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ خلافًا لصاحبيه . ثم أوضح ابن عابدين رحمه الله في الحاشية هنا أن محَلَّ الخلاف بين أبي حنيفة والصاحبين إنما هي رطوبة الفرج الداخلي ـ وهو الذي لا يجِب غَسله في حال لزوم الغُسل من الجنابة ـ أما رطوبة الفَرج الخارجي فهي طاهرة بالاتفاق؛ لأنها كرطوبة الفم والأنف والعَرق.
ونقل ابن عابدين في مكان آخر بعد ذلك (صفحة 208 من الطبعة المذكورة عن ابن حجر في شرح منهاج الإمام النووي الشافعي) تفسير رطوبة الفرج بأنها:
” هي ماء أبيضُ متردِّد بين المَذْي والعَرق، يخرج من باطن الفرج الذي لا يجب غَسله، أمّا ما يخرج من المكان الظّاهر الذي يجب غسله فإنه طاهر قطعًا (أي: بلا خلاف).
وقال أيضًا صاحب “الدر” في الصفحة 233 من الطبعة المذكورة:
“رطوبة الفرج طاهرة خِلافًا لهما” أي: للصّاحبين.
وقال ابن عابدين فى الحاشية تعليقًا عليه:
“ولذا نقل في التتارخانيّة أن رطوبة الولد عند الولادة طاهرة، وكذا السّخلة إذا خرجَتْ من أمِّها، وكذا البَيضة، فلا يتنجَّس بها الثوب ولا الماء” أهـ.
نقد وتعقيب:
بعد صدور هذه الفتوى من فضيلة الأستاذ مصطفى الزرقا في حكم المائع اللزِج الذي يخرج من قُبُل المرأة، وجزمه بعدم نقضه للوضوء، وترجيح جانب الطهارة، كتب فضيلة العلامة الفقيه الشيخ محمد الحامد الحموي رحمه الله تعالى ردًّا مفصّلاً في كتاب “ردود على أباطيل” ص 82 ـ 88 بعنوان: “الطُّهر ناقض للوضوء” اطّلع عليه فضيلة الأستاذ الزرقا، وكتب التعقيب الآتي:
بعد ما نشرت فتواي هذه في مجلة “حضارة الإسلام” نشر الأخ الكريم الأستاذ الشيخ محمد الحامد (من مدينة حماة) ردًّا بيَّن فيه أن الطُّهر المذكورَ الأبيضَ، الذي تراه المرأة في حالة الصحة العادية، هو ناقض لوضوئها ولو كان طاهرًا.
وقد استشهد على ذلك بنُقول فقهيّة نقلَها من المذاهب الأربعة، رآها في نظره مؤيِّدة لرأيه، وأطال في ردّه، لكني لا أراها تؤيِّده، وتخالِف ما ذهبت إليه أنا من أنه لا ينقض وضوء المرأة إذا لم يصحبه سَيلان آخر غير طبيعي ناشئ عن التهابات مرضيّة. وسأجيب فيما يلي عمّا بيّنه الأستاذ، دفعًا للشبهة:
أولاً: إن الأستاذ الحامد بنَى رأيه على نقطة أساسية هي أنه: لا ارتباط بين أن يكون الخارج من أحد السّبيلين نجسًا وبين كونه ناقضًا للوضوء. فقد نصّ الفقهاء على أن الحَصاة والدّودة طاهرتان، ومع ذلك إذا خَرجَتا من الدُّبر تنقضانِ الوضوء.
وجوابًا على ذلك أقول: إن مُراد الفقهاء بأن الدودة والحصاة طاهرتان أنهما طاهرتان في ذاتهما، أما إذا خرجَتا من الدُّبر فإنهما لا تكونان حينئذ طاهرتين، بل متنجِّستين؛ لأنهما قد مرَّتا من مقرِّ النجاسة الرطبة فتنجَّستا ولو أنهما في ذاتهما طاهرتان، بحيث لو غسلهما الإنسان بعد خروجهما وحملهما وصلّى، فصلاتُه صحيحة.
أما ما فَهِمه الأستاذ الكريم من أنهما تخرجان من داخل الدُّبر طاهرتين فهو فَهْمٌ غير صحيح، فهما خارج نجِسٌ، ومتنجّس، فتنقضانِ الوضوء.
وهنا نقطة مُهمّة يجب التنبُّه لها، وهي ذات تأثير في الموضوع، فإن الطُّهر الأبيض اللزِج الذي يخرج من المرأة دائمًا في حال الصحة، هو إفراز طبيعي إنما يفرزه المِهبل ويخرج منه؛ ولذلك كان طاهرًا، بينما الدودة إنما تخرج من الدبر مجتازةً معدن النجاسة، فمن المعقول أن تنقض الوضوء.
ثانيًا: احتج الأستاذ الحامد أيضًا بأن الرّيح التي تخرج من الإنسان هي أيضًا طاهرة، فصحَّ أنها تنقض الوضوء.
وجوابًا على ذلك أقول: إن الرّيح غاز كالهواء، وليست جسمًا كثيفًا، فلذلك كانت طاهرة، لكنها اعتُبرت ناقضة للوضوء بنصِّ الحديث النبوي لحكمة خاصة، فلا تكون قاعدة في النواقِض، ولو اعتُبرت نجسة؛ لأنها من تبخُّرات النّجاسة، لكان في ذلك حَرَج عظيم.
ثالثًا: نقل الأستاذ الحامد أيضًا في رده المذكور عن الإمام الشرنبلالي من الحنفيّة أن المرأة إذا ولدتْ ولم ينزل منها دم لا تُعتبر نفساءَ؛ لارتباط النفاس بنزول الدم، لكنها يجب عليها الوضوء للرطوبة التي تصاحب الولادة، فإنها تَنقُض الوضوء.
وجوابًا على ذلك أقول: إن الرطوبة المقصودة في كلام الشرنبلالي المُصاحبةَ للولادة، هي رطوبة سائلة من السائل الذي كان الجَنين يسبح فيه، وهو سائل نجس، وينزل قبل نزول الولد، فأين هذا من الطُّهر الأبيض اللزِج الذي تراه المرأة في حالات الصِّحة الطبيعيّة وهو طاهر؟!
فإذا قلنا: إن هذا الطهر ينتقض به وضوؤها، فمعنى ذلك أنه لا يستقرُّ للمرأة وضوء!! وهذا أبعد ما يكون عما تتسم به الشريعة من اليُسر، ودفع الحرج.

هامش
(1) مجلة حضارة الإسلام، العدد الثاني، السنة الرابعة 1383 هـ ـ 1963م.