السؤال:

لدينا في أمريكا أوقاف إسلاميّة قام وكيل أحدها، وهو من أهل الخير والفضل باستثمار مبلغ مليون دولار مع رجل لم يُعرف عنه التثبُّت في القول أو الدقة في المعاملة، ورأى وكيل الوقف؛ ضمانًا لحق الوقف في المشروع التجاري، وهو مشروع شراء أرض وعمارتها، ثم بيع الشقق، أن يشترط أمورًا؛ حفظًا لحقوق المسلمين خصوصًا مع ما عُرف عن الشريك، هي التالية: 1 ـ وضع رهنًا بقيمة 1.3 مليون على الأرض حال توقيع العقد بين الشركاء وشراء الأرض، ما أن ما دفعه الوقف كان ( 1 ) مليون فقط، وحجة وكيل الوقف أن هذا ضروري لتغطية مصاريف القضاء إن حدث خلاف. 2 ـ اتفق الطّرفان على أن يضع الشّريك مبلغ 200 ألف مساهمة شخصية منه، أنه لا حقَّ له في إدخال شركاء إلا بموافقة الوقف، وقد خالَف الشّريك مع هذا، ومبلغ الـ (200 ألف) كله مساهمة من أناس آخرين مع مخالَفة هذا للعقد. 3 ـ اشترط الوقف ضمانًا لحسن الأداء أن يقسَّم الربح كالتالي: أول 250 ألف للوقف، ثم 250 ألف بعدها للشريك، ثم يقسَّم ثالثه 250 بنسبة 50/50 ونحوًا من هذا، وكذلك الخسارة أول 250 ألف كلها من حِصّة الشريك وحده، وثاني 250 بنسبة 40/60 الوقف/ الشريك، ونحو هذا دواليك. 4 ـ اشترط الوقف أن الربح يقسّم كما قدَّمت إذا انتهى المشروع خلال سنة، ثم فرض عقوباتٍ على الشريك بحيث إنْ حصل 3 أشهر تأخير تنقص من ربحه 150 ألف، ثم بنسب تصاعُديّة حتى لا يبقَى للشريك شيء من الربح. كانت النتيجة أنْ حَدَثَ تأخُّر كبير، وحدث عجز في تمويل المشروع دفع أكثره الشريك من أموال الناس، وأخذ الوقف المشروع كاملاً بموجب العقد لصالحه وشكَا إلي (وأنا أمين سابق في الوقف) مَن وَضَع مالاً في المشروع بغير إذن الوقف وخسره، وقد أظهر الشريك التوبة من كل ما هو غير شرعي، وعيَّنني محكَّمًا لطرفه، وقَبِل الوقف بتعيِيني إلا أنه اشترط عليّ أن التزم بالعقد مَرْجِعًا لكل خلاف، وأن يكون دوري شارحًا ومنفِّذًا لا غير، فرفضت التعيِين ولامَني مَن خَسِر ماله مع الشريك. نظرت في الحالة فوجدت ظلمًا بدون تعمُّد أو منفعة شخصية، بل بالعكس أتت من حرص الوكيل على أموال الوقف. شيخنا الفاضل: 1 ـ هل يصح العقد مَرجعًا وفي صلبه ما هو أشبه بربا الفَضل؟ وهل تصحُّ ذريعة حماية الوقف وماله في هذا؟ وهل هذا عقد باطل أم فاسد يمكن إصلاحه؟. 2 ـ هل من المُمكن تحكيم العقد وفي صلبه تحديد للربح والخسارة لا بالنسب بل برقم معيّن بالصورة السابقة؟ 3 ـ هل يصحُّ تغيير النسب للرِّبح وربطها بالزمن بالشكل السابق؟ 4 ـ هل يحلُّ للوقف أن يأكل أموال الشركاء غير المعلنين أكثر من 200 ألف، والذين أدخلوا في الشركة تغريرًا من الشريك لهم ومخالفة للعقد مع الوقف؟ 5 ـ ما هو المرجع لحل الخلاف أهو العقد الباطل شرعًا والقانون الأمريكي المدنيّ، أم فقه المعاملات مع تشعُّباته؟ وهل يحل لي أن أكون حكمًا إذا كان التحكيم للعقد لا للفقه؟ 6 ـ موقف وكيل الوقف في هذا أن هذا ليس عقد مضارَبة بالمعني الشرعي، مع أن العمل كله من الشريك وأكثر رأس المال من الوقف، وأنه أمين على أموال المسلمين لا يحلُّ له التفريطُ فيها وهذا حق، ولكن أليس للشرع حكم فوق العقد، وهل العبرة للأسماء أم للوقائع؟ 7 ـ المشروع رابح ومُدير الوقف رجل فاضِل، والشريك رجل مُفرِّط في أمره، ووراءه مظلومون لا ذَنب لهم، والعقد في فهمي أنا باطل فما الحل: أهو أجر المثل للمضارِب أم مصالَحة؟ أم تطبيق العقد وهو شريعة المتعاقِدين في القانون الأمريكي (وقد قال الأخ الكريم مدير الوقف إن الظروف تُحتِّم عليه ما فعل حماية لأموال المسلمين، وأنه لا يوجد في الشرع مثل هذه العقود، وأن له أجرين أو أجرًا). 8 ـ هل يحل لي أن أكون مُحكَّمًا ومرجعي الوحيد هذا العقد؟ 9 ـ وإذا استمر مدير الوقف على موقفه، هل يجوز لي أن استمر في السكوت على ما أحسبه ظلمًا للمضارب ومَنْ وراءَه، وهل من التجريح أو الغِيبة أن أضطرَّه إلى اتباع الفقه بالرجوع إلى مجلس الأمناء وهم لا يعلمون شيئًا عن أي تفاصيل. أفيدونا جزاكم الله عنا كل خير...

الجواب:

1 ـ إن العقد بين الوقف والشريك المتعاقِد معه ليس مضارَبة، بل هو شركة عنان بسبب مشاركة الطرفين في رأس المال وإن كان متفاوتًا، ولو كان العمل يقوم به أحد الشركاء، أما المضاربة فلا يقدِّم فيها المضارِب شيئًا سوى عمله.
2 ـ هذا العقد فاسد بالشروط التي اشترطت في العقد؛ لأنه لا يجوز اشتراط مقدار محدَّد لأحد الشركاء يأخذه من الربح قبل الآخر، فبهذا الشرط يفسُد العقد.
3 ـ حكم فساد العقد أن الربح والخسارة عندئذٍ يتبعان نسبة رأس المال.
4 ـ إدخال الشريك المتعاقِد شركاء آخرين معه خِلافًا للعقد لا يكون جانب الوقف مسؤولاً فيه تجاههم بشيء، ولا علاقة لهم بهم، بل العلاقة والمسؤولية منحصِرة بينهم وبين الشريك الذي أدخلهم معه. فالوقف لا علاقة له إلا مع الشريك المتعاقِد معه، فإذا كان الشريك المتعاقد معه قد جمع حِصّته في رأس المال من آخرين أدخلهم معه خلافًا للشرط بينه وبين الوقف، فإنّ هؤلاء الذين أخذ منهم الشريك المتعاقد، يشاركونه في حِصّته هو وليس الوقف مسؤولاً عنهم.
5 ـ النتيجة:
إن الربح والخسارة في هذه المسألة يقسّم بين الوقف والشريك المتعاقد بنسبة رأس مال كلٍّ من الطرفين: الوقف والشريك المتعاقد، كلٌّ منهم بحسب حِصّته في رأس المال التي وضعها فعلاً. فإذا لم يضَع أحدهما (الوقف أو الشريك) ما التزم بتقديمه كله، بل وضع بالفعل أقل منه، فالعبرة في النسبة لما وضعه فعلاً.
والأشخاص الآخرون الذين أخذ منهم الشريك المتعاقد مبالغَ على أساس إشراكهم في العمليّة يعتبرون شركاءَ معه في حِصّته فقط، وإذا كان الشريك قد غَرَّر بهم وأفهمهم أنهم سيكونون شركاءَ في العملية مع الوقف أيضًا، فلهم حقُّ تضمينِه ما لحِقهم من ضرر بسبب تغريره لهم.
وإذا كان الشريك إلى جانب مساهَمته في رأس المال هو العامل أيضًا فيستحق أيضًا أجر المِثل فوق حِصّة رأس ماله من الربح.
هذا ما يبدو لي في الحكم الشرعي في هذه القضية. والله تعالى أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وفقكم الله وأعانكم وسدد خطاكم.