السؤال:

رجل عَرَض على بناته أن تشتريَ مَن تشاء منهنَّ دارًا فتدفع هي ثلثَ ثمنها وهو يدفع الثلثين، وتكون الدّار ملكًا لها على أن تكون له منفعة الدار كلِّها مدة حياتِه.

وقد قامت إحدى بناته بتحقيق رغبته فعلًا، فاشترت دارًا تم دفع ثمنها منها ومن والدها، وسجَّلت الدار باسمها ملكًا لها مع تسجيل حق الانتفاع لأبيها مدة حياته، واستمر والدها يقبِض أجر الدار بكاملها إلى أن تُوفِّي، فقامت أخواتها بتاريخها طالبات منها التنازل من حِصّتها الإرثيّة عن مقدار ما دفع والدها من ثمن الدار، فهل يحِقُّ لهنَّ ذلك شرعًا.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

إن ما قدّمه الأب من ثمن الدار بالصورة المذكورة يُعتبر تبرُّعًا منه لابنته المُشترية التي سجّلت الدار على ملْكيتها، ينطبق عليه حكم الهبة من الأب لابنته المذكورة.

وقد تم تنفيذ هذه الهبة تسليمًا وتسلُّمًا، إما بدفع المبلغ إن كان قد أعطاها إيّاه نقدًا واشترت هي الدار، وإما بتسجيل العقار على مِلكيتها مع الشرط المذكور. بأن ينتفع بها مدى حياته، إن كان الأب قد اشترى هو حِصّته الثلثين، وسجّلها لها على اسمها وملكيّتها.

ففي الحالة الأولى (حالة دفع المبلغ للبنت وقيامها هي بشراء الدار كلِّها) إن كانت هي الواقعة، يكون الموهوب هو المبلغَ الذي دفعه إليها أبوها حين شرائها الدار.

وفي الحالة الثانية (حالة شرائه هو الثلثين وتسجيلهما باسمها) يكون الموهوب هو هذه الحِصّةَ من الدار المشتراة.

والهبة لا تتم إلا بالقبض، أي: بتسليم الموهوب إلى الموهوب له، وقد حصل هذا التسليم في الحالتين: ففي الحالة الأولى قد تمّ تسليم المبلغ الموهوب بدفعه إلى البنت الموهوب لها. وفي الحالة الثانية قد تم تسليم الحِصّة العَقارية الموهوبة (وهي الثلثان) بتسجيلها على ملكيتها، فإن تسجيل العقار في السجل العقاري هو تسليم كامل؛ لأنه هو المعتبَر في نقل الملكيّات وسائر الحقوق العينية العقارية.

وهذه هي فتواي ورأيي الشرعي منذ القديم بشأن نظام التسجيل العقاري الحديث ومفعوله بالنظر الشرعي، وهو مشروح بالتفصيل في مؤلفاتي، وهو الاجتهاد المستقرّ في محكمة النقض أن التسجيل تسليم.

وعلى هذا تكون الهبة تامّة في جميع الاحتمالات في هذه القضية، سواء أكان الأب قد سلمها مبلغًا، أو اشترى حِصّته من الدار، وسجّلها باسمها.

هذا، وإن الهبة قد تكون مُطلَقة، وقد تكون بشرط عِوض، وكل ذلك جائز شرعًا، وهي في هذه الحادثة هبة بشرط عوض، والعوض هنا هو منفعة الدار للأب مدى حياته، وقد تمّ وفاء العوض بقبضِه أجرة الدّار كلِّها إلى حين وفاته، فليس لأحد بعد ذلك من الورثة الآخرين تجاه البنت المذكورة أيُّ حقٍّ أو مطلب في عين الدار أو ثمنها، وليس عليها شرعًا ولا قانونًا أن تتنازَل لهم عن شيء من حصّتها الإرثيّة في تركة والدها، بل تستقِلُّ هي بالدار ملكًا ومنفعة بعد وفاة والدِها، وتُشاركهم في التركة إرثًا بحِصّتها الشرعيّة.

والله أعلم.