السؤال:

حكم عمليات الإيجار التي تمارِسها بعض البنوك الإسلامية في نشاطاتها الاستثمارية وماهي وسائل التمويل التي تتَّفق مع أحكام الشريعة الإسلامية

الجواب:

الذي يظهر لي في الناحية المسؤول عنها من الوجهة الشرعية
إذا أُريد سلوك طَريق الإيجار في عمليات تجمع بين التمويل التنمويِّ والاستثمار كإيجار السُّفن والطائرات وقِطارات السكك الحديدية ونحو ذلك، فإن لعَقد الإيجار الشرعي شرائطَ وأحكامًا عامةً وقواعدَ لابدَّ من مراعاتها وتوافُرها؛ ليحقِّق معنى الإيجار، وينعقد عقده، وتثبت آثاره بين طرفيه: المؤجِّر (البنك) والمستأجِر، وأبرز هذه القواعد ما يلي:
1 – إيجار الأشياء لا ينعقِد على معدوم، فلا بد أن يكون المأجور موجودًا حين عقد الإيجار بصورة صالحة لاستيفاء منافعه المقصودة من إيجاره، أي: صالحًا للاستعمال المأجور لأجله. حتّى إنه لو امتنع إمكان استيفاء منافعه المأجور لأجلها خلال مدة الإيجار، ينفسِخ عقدُ الإيجار تلقائيًا، كما لو احترقت الدار المأجورة للسُّكْنَى، أو غَرِقَت الأرض المأجورة للزراعة ونحو ذلك.
ومن المُمكن إضافة الإجارة إلى زمن مستقبل كإيجار دار الآن مدةً معينة تبدأ أول السنة القادمة. ولكن يجب أن تكون الدار موجودة عند التعاقد، ولكن حقّ المستأجِر في تسلُّمها والانتفاع لا يبدأ إلا في أول السنة القادمة.
والإيجار في هذا أضيق من البيع، فإنّ البيع يمكن عقده على معدوم ملتزَم وفاؤه في الذمّة مستقبلاً بطريقة عقد السَّلَم وشرائطه، أما الإجارة فلا تصح في معدوم أصلاً ولا سَلَمَ فيها؛ لأن المأجور يجب تعيينه بذاته في العقد، فلا يمكن أن يكون المأجور دَينًا في الذمّة معيّنًا بنوعه ووصفه ومقداره، كما في بيع السَّلَم دون تعيينه بالذات.
2 – إن الأجرة عِوض لمنافع المأجور، فلا يستحق المؤجِّرُ الأجرةَ إلا مِن حين تسليمه المأجورَ إلى المستأجِر، وهو صالحٌ للاستعمال، واستيفاء منافعه المأجور لأجلها بصورة مستمرة في مدة الإيجار، فقبل استيفاء منافع المأجور فعلاً، أو تمكين المستأجر من استيفائها لا يصبح عوضها وهو الأجرة حقًّا للمؤجِّر، وإن كان من الجائز اشتراط تعجيل الأجرة، ويكون عندئذ على المستأجر تعجيلها، لكنها لا تصبح حقًّا نهائيًا للمؤجر إلا بعد استيفاء المنافع أو التمكين منه، كتسليم مفتاح الدار، ومُضِيّ مدة تكفي عادة لوصول المستأجر إليها، فعندئذٍ يبدأ حساب سَريان الأجرة عليه مع الزمن.
3 – إن الأجرة المحدَّدة في العقد ملزِمة للطرفين طوال المدة المحدّدة للعقد، ولا يجوز تعديلها نقصًا أو زيادة خلال مدة الإيجار إلا باتفاق الطّرفين.
هذه قواعد أساسية في عقد الإيجار لا يجوز الإخلال بها؛ لأن مفهومَ الإيجار يقوم عليها.
هذا ويبدو من تصوير عملية الإيجار التي ذكرتموها في كتابكم الكريم، وانتهيتم منها إلى النقطة المسؤول عنها، أن العملية تتكون من اتفاقية واحدة تتضمَّن توكيل البنك للجهة الراغبة في استئجار تلك المأجورات الاستثمارية الكبرى (كالسفن والقطارات ونحوها) في أن تشتري لحساب البنك تلك الأشياء التي تحتاج هي إلى استثمارها منه، وتستوردها، وتقوم بتركيبها لديها حتى تصبحَ صالحةً للاستعمال، كل ذلك وكالة عن البنك الذي يصبح مالكًا لها، وإيجار البنك هذه الأشياء لوكيل الشراء نفسه، بعد تركيبها وصيرورتها صالحةً للتشغيل، يقلب الوكيل مستأجرًا لها، ويبدأ حساب الأجرة عليه، ولكن بدلاً من أن ينتِظر تحقيقَ تركيبها فعلاً لتصبح الأجرةُ سارية عليه، تحدِّد الاتفاقية المذكورة مدّة تقديريّة كافية للتركيب يبدأ بعدها سريان الأجرة، باعتبار أن الأجرة لا تلزَم المستأجِرَ إلا بعد تسلُّمه المأجور صالحًا للاستعمال، كما أسلفت في بيان القواعد العامة في الإجارة، ومن هذه الثُّغرة ينفَذ الوكيل المستأجر إلى طلب إطالة مدة التركيب بحجة تبيّن عدم كفايتها لكي يؤخر بَدء سريان الأجرة عليه، وقد يكون هو المتهاوِن المقصِّر في عملية التركيب، ويقع البنك في مشكلة معه، فيريد البنك طريقة شرعية تحفظ له مِقدار الأجرة المتفق عليها دون أن يتأثر مقدارُها بإطالة مدة التركيب التي يتأخر فيها سَريان الأجرة، فأقول:
إن هذه الإجارة بالصورة الموضَّحة غير صحيحة من أساسها؛ لأنها إجارة لمعدوم فلا تصحُّ كما أوضحت؛ لأن الإجارة (التي تضمَّنتها الاتفاقية المشتمِلة على التوكيل بالشراء مع عقد الإيجار المضاف سريان آثارِه لما بعد تمام التركيب) هي إجارةٌ معقودة على معدومٍ حين التعاقُد، فلا تصحُّ.
والواجب أن يتمَّ التوكيل بالشراء والاستيراد والتركيب لحساب البنك أولاً، ثم بعد تمام التركيب وقيام الشيء المطلوب بصورة صالحة للاستعمالِ، يؤجّر بعَقد جديد يبدأ فيه حساب الأجرة منذ تسليم المأجور صالحًا للاستعمال.
والمشكلة إنما نشأت من الطريقة المُلتوية التي يراد بها تحقيق نتائج قرض تمويلي رِبوي للجهة المُحتاجة لتلك الأشياء، وإلقاء جميع الأعباء عليها، ثم استعادة مبلغ القرض مع فوائده باسم بدل إيجار، دون أن يدخل المؤجِّر في استيراد المأجور وتهيئته ليكون صالِحًا للتشغيل، ودون أن يتأثر مبلغ الأجرة بطول مدة هذه التهيئة التي يتوقف عليها حقُّه في الأجرة.
فإذا أريد تثبيت حقِّ المؤجِّر دون أن يتأثر بذلك، فإن غِطاء الإيجار ينحسِر، وتُصبِحُ العملية قرضًا تمويليًّا رِبويًّا سافِرًا.
ففي الصورة المعروضة يتضح أن الإيجار غير منعقد في أصله شرعًا لوقوعه على شيء معدوم، فلا مكانَ للبحث في إمكان تثبيت حقّ المؤجِّر في الأجرة دون أن تتأثر بتمديد مدة التركيب، أو عدم إمكان ذلك التثبيت؛ لأنّ النظر في ذلك يعتمِد قيامَ إيجار صحيح بين الطرفين، وهذا غير موجود في واقع الحال بالنظر الشرعي.
والطريق الشرعي ليكون الإيجار صحيحًا هو أنه بعد توكيل البنك نائبًا عنه (طالب الاستثمار أو سواه) لشراء المُعِدّات المطلوبة واستيرادها وتركيبها وصيرورتها قابلةً لأداء عملها ومنافعها بالتشغيل (وهي إلى هذه المرحلة على ملكية البنك، ويتحمّل هو تبعةَ ما يمكن أن يُصيبها من خطر وما يظهر فيها من عيوب) بعد هذه المرحلة كلها يجب إجراء عقد الإيجار عليها بين البنك والجهة المستأجِّرة.
وحينئذٍ لا يبقَى مجالٌ للبحث في مشكلة عدم كفاية المدة التقديرية للتركيب، والحاجة إلى تمديدها مع استمرار عدم سريان الأجرة خلالها… إلخ؛ لأن عقد الإيجار، وبدء سَريان الأجرة إنما يكون بعد التركيب الكامل، وصَلاحيّة الآليّات والمُعِدّات للعمل.
هذا وقد ذُكر في المذاكرة الشفهية بالأمس أن طالب الاستئجار قد يطلب استئجار قطعة أو عدة قطع باهظة الثمن تتمِّم آليّة كبيرة موجودة عنده، وواضح عندئذٍ أن هذه القطعة كقطع الغيار لا يمكن لمالكها تقديمها بطريقة الإيجار؛ لأن الإيجار يكون محدَّدًا بمدة يعاد بعدها المأجور إلى المؤجِّر، وقطع الغيار لا يمكن نزعها من الآليّة التي تدخل فيها وإعادتها؛ إذ تضرَّر الآلية، وتتعطل بنزعها منها، ففي هذه الحالة يكون الطريق الطبيعي لتلبية حاجة صاحب الآلية هو سلوك طريقة بيع المُرابحة للآمر بالشراء، وهي من الطرق الشرعية التي تتعامل بها البنوك الإسلامية القائمة في البلاد العربية اليوم، فيَطلُب المحتاج إلى القطعة أو القطع من البنك أن يستورِدَها بناءً على طلبه وأمْره، ثم يبيعُه إياها بثمن مُقَسَّط، وربح محدَّد.
هذا ما أراه في هذا الموضوع، والله تعالى هو الموفق للصواب.