السؤال:

ما هي صلاة الاستسقاء، وحكمها، وكيفية صلاتها؟

الجواب:

جاء في الموسوعة الفقهية:

– الاستسقاء لغة: طلب السقيا, أي طلب إنزال الغيث على البلاد والعباد. والاسم: السقيا بالضم, واستسقيت فلانا: إذا طلبت منه أن يسقيك. والمعنى الاصطلاحي للاستسقاء هو: طلب إنزال المطر من الله بكيفية مخصوصة عند الحاجة إليه . صفته ( حكمه التكليفي ):
– قال الشافعية, والحنابلة, ومحمد بن الحسن من الحنفية: الاستسقاء سنة مؤكدة, سواء أكان بالدعاء والصلاة أم بالدعاء فقط, فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والمسلمون من بعدهم .
– وأما أبو حنيفة فقال بسنية الدعاء فقط, وبجواز غيره . وعند المالكية تعتريه الأحكام الثلاثة التالية:

الأول: سنة مؤكدة, إذا كان للمحل والجدب, أو للحاجة إلى الشرب لشفاههم, أو لدوابهم ومواشيهم, سواء أكانوا في حضر, أم سفر في صحراء, أو سفينة في بحر مالح.
الثاني: مندوب, وهو الاستسقاء ممن كان في خصب لمن كان في محل وجدب; لأنه من التعاون على البر والتقوى. ولما روى ابن ماجه { ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى } . وصح: { دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة, عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل . }
ولكن الأوزاعي والشافعية قيدوه بألا يكون الغير صاحب بدعة أو ضلالة وبغي . وإلا لم يستحب زجرا وتأديبا; ولأن العامة تظن بالاستسقاء لهم حسن طريقهم والرضى بها, وفيها من المفاسد ما فيها . مع أنهم قالوا: لو احتاجت طائفة من أهل الذمة وسألوا المسلمين الاستسقاء لهم فهل ينبغي إجابتهم أم لا؟ الأقرب : الاستسقاء لهم وفاء بذمتهم . ثم عللوا ذلك بقولهم: ولا يتوهم مع ذلك أنا فعلناه لحسن حالهم; لأن كفرهم محقق معلوم . ولكن تحمل إحابتنا لهم على الرحمة بهم, من حيث كونهم من ذوي الروح, بخلاف الفسقة والمبتدعة.
الثالث: مباح, وهو استسقاء من لم يكونوا في محل, ولا حاجة إلى الشرب, وقد أتاهم الغيث, ولكن لو اقتصروا عليه لكان دون السعة, فلهم أن يسألوا الله من فضله .
دليل المشروعية:
– ثبتت مشروعيته بالنص والإجماع, أما النص فقوله تعالى: { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } . كما استدل له بعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه والمسلمين من بعده, فقد وردت الأحاديث الصحيحة في استسقائه صلى الله عليه وسلم . روى أنس رضي الله عنه: { أن الناس قد قحطوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل رجل من باب المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب . فقال: يا رسول الله هلكت المواشي, وخشينا الهلاك على أنفسنا, فادع الله أن يسقينا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا غدقا مغدقا عاجلا غير رائث. قال الراوي: ما كان في السماء قزعة, فارتفعت السحاب من هنا ومن هنا حتى صارت ركاما, ثم مطرت سبعا من الجمعة إلى الجمعة . ثم دخل ذلك الرجل, والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب, والسماء تسكب, فقال: يا رسول الله تهدم البنيان, وانقطعت السبل, فادع الله أن يمسكه, فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لملالة بني آدم . قال الراوي: والله ما نرى في السماء خضراء . ثم رفع يديه, فقال: اللهم حوالينا ولا علينا, اللهم على الآكام والظراب, وبطون الأودية, ومنابت الشجر . فانجابت السماء عن المدينة حتى صارت حولها كالإكليل } . واستدل أبو حنيفة بهذا الحديث وجعله أصلا , وقال: إن السنة في الاستسقاء هي الدعاء فقط, من غير صلاة ولا خروج . واستدل الجمهور بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: { شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر, فأمر بمنبر فوضع له في المصلى, ووعد الناس يوما يخرجون فيه, قالت عائشة: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس, فقعد على المنبر, فكبر وحمد الله عز وجل ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم, واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم, وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه, ووعدكم أن يستجيب لكم . ثم قال: الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, مالك يوم الدين, لا إله إلا الله يفعل ما يريد, اللهم أنت الله لا إله إلا أنت, أنت الغني ونحن الفقراء , أنزل علينا الغيث , واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين . ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه , ثم حول إلى الناس ظهره , وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه , ثم أقبل على الناس , ونزل فصلى ركعتين , فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى , فلم يأت مسجده حتى سالت السيول , فلما رأى سرعتهم إلى السكن ضحك حتى بدت نواجزه فقال : أشهد أن الله على كل شيء قدير , وأني عبد الله ورسوله } . وقد استسقى عمر رضي الله عنه بالعباس , وقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبيك فتسقينا , وإنا نتوسل بعم نبيك فاسقنا فيسقون . وكذلك روي أن معاوية استسقى بيزيد بن الأسود . فقال : اللهم إنا نستسقي بخيرنا وأفضلنا , اللهم إنا نستسقي بيزيد بن الأسود , يا يزيد ارفع يديك إلى الله تعالى ” فرفع يديه , ورفع الناس أيديهم . فثارت سحابة من الغرب كأنها ترس , وهب لها ريح , فسقوا حتى كاد الناس ألا يبلغوا منازلهم .
– حكمة المشروعية :
– إن الإنسان إذا نزلت به الكوارث, وأحدقت به المصائب فبعضها قد يستطيع إزالتها, وبعضها لا يستطيع بأي وسيلة من الوسائل , ومن أكبر المصائب والكوارث الجدب المسبب عن انقطاع الغيث, الذي هو حياة كل ذي روح وغذاؤه, ولا يستطيع الإنسان إنزاله أو الاستعاضة عنه , وإنما يقدر على ذلك ويستطيعه رب العالمين فشرع الشارع الحكيم سبحانه الاستسقاء , طلبا للرحمة والإغاثة بإنزال المطر الذي هو حياة كل شيء ممن يملك ذلك, ويقدر عليه , وهو الله جل جلاله .

وجاء في المغني لابن قدامة:

لا نعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافا في أنها ركعتان, واختلفت الرواية في صفتها, فروي أنه يكبر فيهما كتكبير العيد سبعا في الأولى, وخمسا في الثانية . وهو قول سعيد بن المسيب, وعمر بن عبد العزيز , وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم , وداود , والشافعي . وحكي عن ابن عباس; وذلك لقول ابن عباس في حديثه : وصلى ركعتين , كما كان يصلي في العيد . وروى جعفر بن محمد , عن أبيه { أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر , وعمر , كانوا يصلون صلاة الاستسقاء , يكبرون فيها سبعا وخمسا } . والرواية الثانية , أنه يصلي ركعتين كصلاة التطوع . وهو مذهب مالك, والأوزاعي , وأبي ثور , وإسحاق; لأن عبد الله بن زيد قال: استسقى النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين , وقلب رداءه . متفق عليه . وروى أبو هريرة نحوه . ولم يذكر التكبير , وظاهره أنه لم يكبر , وكيفما فعل كان جائزا حسنا . وقال أبو حنيفة : لا تسن الصلاة للاستسقاء , ولا الخروج لها ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم { استسقى على المنبر يوم الجمعة , ولم يصل لها } , واستسقى عمر بالعباس ولم يصل . وليس هذا بشيء , فإنه قد ثبت بما رواه عبد الله بن زيد , وابن عباس , وأبو هريرة أنه خرج وصلى , وما ذكروه لا يعارض ما رووه , لأنه يجوز الدعاء بغير صلاة , وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكروه لا يمنع فعل ما ذكرناه, بل قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمرين . قال ابن المنذر: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الاستسقاء, وخطب . وبه قال عوام أهل العلم إلا أبا حنيفة, وخالفه أبو يوسف, ومحمد بن الحسن, فوافقا سائر العلماء, والسنة يستغنى بها عن كل قول .

ويسن أن يجهر بالقراءة; لما روى عبد الله بن زيد, قال: { خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي , فتوجه إلى القبلة يدعو , وحول رداءه , ثم صلى ركعتين , جهر فيهما بالقراءة } . متفق عليه . وإن قرأ فيهما ب { سبح اسم ربك الأعلى } , و { هل أتاك حديث الغاشية } فحسن لقول ابن عباس : صلى ركعتين , كما كان يصلي في العيد . وروى ابن قتيبة , في ” غريب الحديث ” , بإسناده عن أنس , { أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج للاستسقاء , فتقدم فصلى بهم ركعتين , يجهر فيهما بالقراءة , وكان يقرأ في العيدين والاستسقاء , في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب , و ” سبح اسم ربك الأعلى ” وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب , و ” هل أتاك حديث الغاشية ” } .