السؤال:

إني أتعاقَد مع دائرة رسميّة، على أن أقدِّم ما يلزم من خَضْروات ولحوم وما إليها، وجميع هذه الأصناف معلومة السِّعر مجهولة الوزن في أصل العقد، حيث لا يعْلمون ما يستهلكون خلال مدة العقد وهي أربعة أشهر غير أنَّهم يطلبون كل يوم خلال مدة العَقد حاجتِهم واستهلاكهم بوزن معلوم وسعر معلوم. وإذا أردنا أن نبيعَهم كلَّ يوم صفقة جديدة، فإن هذا متعسِّر جدًّا؛ لأن البيوع للدوائر الرسميّة تحتاج إلى مناقصة ومعاملة لا تنتهي بعشرة أيام. عندنا بعض العلماء حرَّموا تلك المعاملةَ وقالوا: العقد فاسد وفيه شرط ونفع يؤدِّي إلى المنازعة. هل التعاقُد هذا غير جائز مُطلقًا في كل المذاهب ولا يُقِرُّه الشرع؟

الجواب:

إن هذا التّعاقد اليوم (واسمه القانوني عقد التوريد) هو صحيح شرعًا غير فاسد كما هو صحيح قانونًا؛ لأن الشرع غير مقصور على المذهب الحنفي الذي أفتوك بمقتضاه أن هذا العقد فاسد؛ لأن فيه شرطًا وجَهالة تؤدّي إلى المنازَعة. وفي المذهب الحنفي نفسه ليست كل جهالة تُفسد العقد، بل هي الجهالة الفاحشة التي تؤدي إلى نزاع مُشكِل، وهو النزاع الذي تتساوَى فيه حجّة الطرفين كما لو قال: (بعتك شيئًا بثمن) فالبائع يريد تسليم أحقرِ شيء وأخذ أغلى ثمن؛ لأن عبارة العَقد تصلح لمُراده، والمُشتري بالعكس قد يُريد أنفس شيء بأرخص ثمن؛ لأن عبارة العقد أيضًا تصلُح لمُراده، فهذا نزاع مُشكِل تتساوى فيه حجّة الفريقين بسبب الجهالة، فيفسد العقد. أما إذا كانت الجهالة لا تؤدي إلى نزاع مُشكِل فلا تضر ولا تفسد، كما لو باع شخص لآخر ما في صندوقه (وهو مجهول المضمون) بثمن معيَّن، ونصوص الفقهاء في ذلك صريحة.
وعقد التوريد هذا المسؤول عنه يشبه إلى حد كبير بيع الاستجرار الذي نصَّ عليه الحنفية، كما أنه أولى بالصحة من البيع بما ينقطع عليه السعر الذي صححه الحنابلة، مع أن فيه كَمية محدودة والسِّعر غير محدَّد عند العَقد.
لذلك يكون قياسُها على أحدهما قِياسًا صحيحًا، ولا سيَّما أن الحاجة العامّة اليوم تدعو إلى ممارسة عقد التوريد، كما أنه أصبح متعارَفًا. وقد نصّ الحنفيّة على أن العرف يُصحِّح الشروط الفاسدة إذا تُعورِفت، وجرى عليها التعامل؛ لأنها بالتعارف ينتفي من طريقها النزاع؛ إذ تصبح مألوفة، ويبني العاقدان عليها حسابهما، فلا تكون مفاجأة غير مألوفة قد تُخِلُّ بالتوازن بينهما وتؤدّي إلى النزاع.
ولا يخفى أن عقد التوريد قد أصبح فيه عرف شامل، ولا سيما بعد أن قررته القوانين.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

 


الوسوم: