السؤال:

أرجو من فظيلتكم أن أعرف ما هي نظرة الإسلام للمال؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

عرفت البشرية قبل الإسلام أدياناً ومذاهب، تعتبر المال شراً والفقر خيراً، بل تعد كل ما يتصل براحة الجسد وتمتعه بالطيبات، تلويثاً للروح، وتعويقاً لرقيها وسموها.

عرف ذلك في الفلسفة البرهمية في الهند، وفي المذهب المانوي في فارس، كما عرف ذلك في المسيحية من الأديان 1لكتابية، وتحلت هذه النزعة بوضوح في نظام الرهبانية.

يروي أصحاب الأناجيل – متى ومرقص ولوقا – عن المسيح: أن شاباً غنياً أراد أن يتبع المسيح، ويدخل في دينه، فقال له: ( بع أملاكك ثم أعط ثمنها للفقراء، وتعال اتبعني، فلما ثقل ذلك على الشاب قال المسيح: يعسر أن يدخل غني ملكوت السموات. أقول لكم أيضاً: ( إن دخول جمل في ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني ملكوت الله ) !!.

أما المذاهب الحديثة من رأسمالية وشيوعية، فتجعل الاقتصاد محور الحياة وتجعل من المال (إله ) الأفراد والجماعة.

ولكن الإسلام لم ينظر إلى المال وإلى الطيبات تلك النظرة المتشائمة القاتمة، ولا هذه النظرة المادية المسرفة، ولكنه:

(أ) اعتبر المال قوام المعيشة، وعصب الحياة. يقول تعالى: ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ).

(ب) وسمى المال خيراً في مواضع من القرآن: ( وإنه لحب الخير لشديد ). (قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين).
(كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية ).

(ج) واعتبر الغنى نعمة يمتن الله بها على رسوله، وعلى المؤمنين المتقين من عباده: (ووجدك عائلاً فأغنى ).
(وان خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ).
( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ).
( ويمددكم بأموالٍ وبنين ).

(د) واعتبر الفقر بلاء وعقوبة يصيب به الله من ينحرف عنه ويكفر بنعمته.
( وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ).

(هـ) وحدد النبي (صلى الله عليه وسلم) نظرته إلى المال بهذه الكلمة الموجزة الجامعة: (نعم المال الصالح للرجل الصالح ).

فليس المال خيراً مطلقاً، ولا شراً مطلقاً في ذاته، بل هو أداة وسلاح: يكون خيراً في يد الأخيار، وشراً في يد الأشرار.
ذلك لأن المال هو وسيلة إشباع الحاجات، والعون على أداء كثير من الواجبات، كالصدقة والحج والجهاد، والعدة الضرورية لعمارة الأرض. وكل ما يريده الإسلام ألا يصبح المال صنماً يعبده الناس من دون الله، وألا يفتن الناس به فيصير غاية في حد ذاته، وقد خلق ليكون وسيلة، وألا يؤدى بصاحبه إلى نسيان ربه، والطغيان على خلقه، فهذه هي فتنة المال التي حذر منها الإسلام، يقول تعالى: (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم ). ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ). ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً). ( كلّا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ).

بيّن النص الكريم أن الطغيان لا ينشأ من مجرد الغنى، بل من رؤية الإنسان نفسه مستغنياً عن غيره، وربما توهم أنه يستغني عن ربه عز وجل.