السؤال:

السؤال ويتلخَّص بما يلي: إن أحد أصْدقائه قد أُصيب بخلَل في عقله، فقام بزيارته وهو يتماثل للشِّفاء، وأن هذا المريض قد روى له قصة مَرَضِه العقْلي وأسبابه، وهي تتلخَّص: بأن للمريض المذكور صديقًا كان يزوره في كلِّ أسبوع مرة وتوثَّقَتْ عُرَى الصداقة بينهما حتى صار كأحد أفراد عائلته، وأنه أصبح يختلط بأهله وعياله، وأنه كثيرًا ما يأتي لبيْته بحُجَة الزيارة في حال غيابه. ومرةً قال الصديق للرجل: إنني كثيرًا ما أحضُر إلى داركم في حال غيابكم على رأس عملكم، ولا شك أن نظر الرجل الأجنبي إلى المرأة الأجنبية حَرَام، وكذلك الخُلْوة بها، وإني أقترح تحرُّزًا من الوقوع في الحرام أن تعْقد نكاحي على ابنتك (فلانة) البالغة من العمر ستة أشهر، وبهذه الطريقة يَحِلُّ لي النظر إلى والدتها ويجوز لي الخُلْوة بها بسبب المصاهرة، وتحت تأثير الخَجَل أجاب الرجل بـ (لا بأس)، وأسرع الصديق بإحضار شاهدين، وطلب منه النُّطق بما يدل على عقد النكاح على ابنته المذكورة، فتفوَّه الرجل بذلك وحَصَل الإيجاب والقَبول بحضور الشَّاهدَين!! وبعد ذلك أخذ الصديق بالإكثار من التردُّد على بيت صديقه سواء كان حاضرًا أو غائبًا، وأكثر هذه الزيارات كانت أثناء غياب الرجل عن بيته في عمله، وكثيرًا ما يعود إلى بيته فيرى صديقَه مع زوجته بحُجَّة أنها أصبحت بمنْزلة والدته!! وساورته الشُّكوك والظنون، وضاق ذرْعًا بهذه الزيارات اليومية وتساءل في نفسه " هل خدعَني صديقي بهذا العقد الشكلي؟ وهل قصد الخُلْوة بزوجتي تحت ستار الشرّ؟!.."ولكنه لم يَبُحْ بما يَجُول بنفسه وبقصَّته إلى أحد خوفًا من الفضيحة، وصبر على مضضٍ حتى أصيب بخلَل في عقله من شدَّة القلَق المكْبوت حتى قيل له: (إنك مجنون). هذه هي القصة ويقول السائل: إن مثل هذه العقود الوهْمية كثيرة في محافظة الحَسَكة، ويَنتُج عنها مشاكل كثيرة وهو يسأل: هل يُعتبر مثل هذا العقد صحيحًا إذا كانت النيَّة أو الاتفاق السابق لساعة العقد مخالِفة لصريح العقد المُبْرم بين الطَّرَفين، ولمْ يَكُن هناك صَدَاق؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

إن قانون الأحوال الشخصية يَعْتبر عقد الزواج الذي يقع قبل استكمال الزوجين الحدَّ الأدنى من السِّنِّ الأهْلية للزواج باطلاً غير مُنْعقد، ولا يجوز للمَحْكمة الشرعية تثبيتُه فيما إذا ادعى به وأُريد إثباته .
وإن الحدَّ الأدنى لأهلية الزواج من حيث السن بمُقتضى هذا القانون هو في الفتى: خمس عشرة سنة، وفي الفتاة: ثلاث عشرة سنة بشرط دعوى البلوغ وموافقة الحاكم وموافقة الأب أو الجَد إن كان للخطيبين أب أو جد .
فمن لم يَستكمل هذه السن من ذكر أو أنثى لا ينعقد زواجه بمقتضى القانون المذكور، وهو قانون شرعي مُستمَدٌّ كلُّ ما فيه من فقه المذاهب الاجتهادية، وبعض أحكامه موضوع على أساس قاعدة المصالح المرسلة التي يَمنح الشرع فيها لأولياء الأمور سُلطةً يُصدرون بها أوامر، تُعتبر في نظر الفقهاء واجبة الاحترام والتنفيذ متى كانت جارية على مُقتضى المقاييس الشرعية في المصلحة المرسلة، وبرأْي أهل العلم والاختصاص في الشريعة، أو كانت موافقة لأحد الاجتهادات المُعْتبرة. وهذا القانون كلُّه من هذا القَبيل، وقد وضعتْه لجنة شرعية من قُضاة الشَّرْع وعُلَمائه، فما جاء فيه من أحكام يُعتبر هو الحكم الواجب التنفيذ شرعًا .
وبناء عليه يكون العقد المسؤول عنه غير صحيح شرعًا ولا قيمة له ولا يُحِلُّ حرامًا، ولا يُحرم حلالاً من حيث الخُلوة والرؤية والاختلاط والحقوق المالية وسواها، بل كل شيء من ذلك يبقى على حُكمه السابق قبل هذا العقد الباطل. وهذا الطريق في معالجة الموضوع هو في نظرنا أولى من الدخول في بحثِ صوريَّة العقد؛ لأن قضية الصورية بالنسبة إلى عقد الزواج فيها اعتبارات معقَّدة، واختلاف في الاجتهادات نظرًا لوجود قاعدة استثنائية في عقد الزواج أن جدَّه جدٌّ، وهزْله جدٌّ كما ورد في الحديث النبوي[1]
والله أعلم .


[1] – عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “ثلاثة جَدُّهن جَدّ، وهزْلُهن جَدّ: النكاح، والطلاق، والرَّجعة” رواه أبو داود (2194) في الطلاق، والترمذي (1195) في الطلاق، وقال: هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغيرهم.