السؤال:

هل شَهادة النساء مَقبولة في حالات الحدود والقِصَاص في الإسلام.
وايضا هل صحيح  ان دِيَة المرأة نصف دِيَة الرَّجُل.

الجواب:

وإليكِ جوابي عنهما فيما يلي:
الموضوع الأول:
إنَّ الحُكْم الشرْعِيَّ المتَّفَقَ عليه بين المذاهب الأربعة هو أن شَهادة النساء لا تُقْبَل في الحدود والدِّمَاء، وذلك لأنَّ الشريعة تَقْضِي بأنْ تُدْرأ الحدود بالشبهات، (والحدود هي أشدُّ وأخطرُ العقوبات المُحدَّدة المِقدار في الشريعة) فلا يُوقَع حدٌّ شرعي إذا كان هناك أي شُبهة ولو ضئيلة في ثُبوت التُّهمة على المُتَّهَم، وقد اعتبرتِ الشريعةُ شَهادة المرأة أضْعفَ من شَهادة الرجل في الأمور المالِيَّة (كما صرَّح به القرآن العظيم) فهذا الضَّعْف يَنْتَقِص من قُوَّة الإثبات فيما هو أخطر من الأموال (عُقوبة الحَدِّ والقِصَاص) بطريق الأوْلَوِيَّة.
والقِصَاص أيضًا عقوبة خطيرة مثل الحدود، وقد تَشَدَّدت الشريعة في إثباتها.
والحكم الشرعي في عَدَم قَبُول شَهادة المرأة في الحُدُود والقِصَاص ثابِتٌ بالسنة النبوية؛ ولهذا اتفقتْ فيه المَذاهِب الأربعة.

يقول الإمامُ الزُّهْرِيُّ: “مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رسول الله والخليفَتَيْن من بعده ألا تَجوز شَهادة النساء في الحدود” (رواه ابنُ أبي شَيْبَةَ، يُنْظَر نُصْب الرايَة 4/79). كما أخْرَج عبد الرزاق في مُصَنَّفه عن سيِّدنا علي ـ كرَّم الله وجْهَه ـ:
“لا تَجُوز شَهادة النساء في الحدود والدِّمَاء” (المَرْجِع نَفْسه).

ولم يَرِد في النصوص الشرعيّة تعليل صريح لهذا الحُكْم؛ لذلك لابدَّ أنْ نُسَلِّم به كجُزْء من دِينِنا، وإنْ كان ذلك لا يَمْنَع من الْتِماس الحِكْمة الكامِنة وراءه. وفي هذا المَجال نُشير إلى الأمور الآتية:
(أ) إنَّ التحديد الذي أتَتْ به الشريعة على قَبُول شَهادة المرأة ليس عامًّا شامِلًا في كلِّ أنواعِ الشَّهادة، بلْ قاصِرًا على بَعْض هذه الأنواع فقط.
ففي القضايا المالِيَّة، نَصَّ القرآن العظيم على أن تكون شَهادة امرأتَيْنِ مُعادِلة لشَهادة رَجُل، وفي قضايا الحدود والقِصَاص تُسْتَبْعَدُ شَهادة النساء.

لكنْ هناك قضايا أخرى خطيرة تُقْبَل فيها شَهادة النساء وَحْدَهُنَّ، مثل:
ـ قضايا الوِلادة، وما يَتَرَتَّب عليها من إرْثٍ ونَسَبٍ.

ـ الرِّوَايَة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالحديث النبوي الذي رَوَتْه لنا امرأةٌ عن رسول الله، له حُجِّيَّةُ الحديث نَفْسِه الذي يَرْوِيه رَجُلٌ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ الأحوال التي قَيَّدَتْ فيها الشريعةُ شَهادةَ المرأة، هي لأسباب ومُلابَسات تَقْتَضِي هذا التقييد، سَواءٌ عَرَفْناها أمْ لمْ نَعْرِفْها.

(ب) إنَّ الحوادِث التي تُوجِب الحدود والقِصَاص كثيرًا ما تَنْطَوِي على وقائعَ كريهةٍ ومُنَفِّرَةٍ، والمرأة شديدة الانفعال والحساسية، مِمَّا يَصْرِفها أحيانًا عن الانتباه إلى تفاصيل تلك الوقائع. وفي هذا المَجال أنْقُلُ فيما يلي ما يَقولُه الدكتور رمسيس بهنام R.BEHNAM وهو أستاذ مشهور في القانون الجِنائي، ورئيس قِسْم القانون الجِنائي في جامعة الإسكندرية سابقًا، ودكتور في القانون المَدَنِي من جامعة روما، وهو أيضًا دكتور دَوْلة من جامعة باريس.

والدكتور بهنام ليس مسلمًا بلْ هو من أقباط مصر، فهو لا يَكْتُب من مُنطلَقٍ دِينِيٍّ إسلاميٍّ.
يَقولُ د. بهنام في كِتابِه: عِلْم النَّفْس القَضائي (الإسكندرية: طَبْع مُنشأة المَعارِف 1979م ص / 84) ما نَصُّه:
“الشاهِد ليس كالورقة الحَسّاسة في آلة التصوير .. وإنَّما يَتوقَّف مَدَى الكمال في الْتقاطه لِصورة الواقعة على عواملَ شخصيةٍ عديدةٍ تَحُول دُون أمانة النَّقْل (أيْ: مُطابقته للواقع) وإنْ كانت لا تَنْفِي الإخلاص (إخلاص الشاهِد، أيْ: قولُه ما يَظُنُّه حقًّا)…
كثيرًا ما يُحِسُّ الشاهِد بِنُفُور مِن جُزئيَّة ما، فيُسارِع بالانتقال منها إلى غيرها مُغْفِلاً الإحاطة الكاملة بها، كما لو شاهَدَتِ امرأةٌ إنسانًا يُطْعَن عِدَّة طَعَنات ويَهْوِي إلى الأرض، فَشَقَّ عليها أنْ تُرَكِّز أنظارها في جُثَّته، فوجَّهت انتباهها إلى هِنْدامِ أو ملابس رجال كانوا في المكان حاضرين” (ص 84).
وفي مَجال التعرُّف على الأشخاص وعلى الأشياء في مجال الشَّهادة القضائية يقول د. بهنام في الكتاب نفْسه (ص 194):

“إنَّ القُدرة على دِقَّة الوصْف تَتوقَّف على عوامِلَ عِدَّةٍ…. منها الجِنْس. فمن الثابِت أنَّ المرأة بطبيعتها أقوى من الرجل مُلاحَظَةً للوجه والملابس، وإنْ كان تَعرُّفها مَحلَّ شَكٍّ حين يَتعلَّق الأمْرُ بمَشهد جريمة ارْتُكِبَتْ؛ ذلك لأنَّها جُبِلَتْ على نَزْعة انفعاليَّة شديدة تَعترِيها في مثل هذا المَشْهد، وتَحُول دُون تَفرُّسِها في أشخاصه وأشيائه”.

(ج) هناك عواملُ نفْسيةٌ مُعقَّدةٌ تَدخُل في موضوع الشَّهادة، وتُؤثِّر في مَدَى التعويل عليها. ونَنْقُل فيما يلي من كِتَاب آخَر للدكتور رمسيس بهنام(علم الإجرام وعلم الاجتماع الجِنائي، الإسكندرية: طَبْع مُنشأة المعارِف. الجزء الأول “الطبعة الثالثة / 1970م/ ص 457) حيث يقول ما نَصُّه:
“ولأنَّ الكَذِبَ من الخصائص المُمَيِّزة للمرأة بِوَجْه خاصٍّ، يُنادِي علماء النفْس بضَرورة المُحاذَرة في التعويل على شَهادتها، وفي هذا تتشابه شهادة المرأة مع شهادة الطفل التي تَسْتوجِب هي الأخرى حذرًا أكبر في اعتبارها مصدرًا تُستَقَى منه الحقيقة. على أنَّ الحذر في التعويل على شهادة النساء لا يرجع فحسْب إلى أكاذيبهنَّ التلقائيَّة التي تَصدُر منهن عن وَعْي وعن غير وعي، وإنما يَرجِع كذلك إلى أنَّ ذاكرة المرأة أضْعَف من ذاكرة الرجل، وإلى كَونها مَيّالة إلى تركيز الانتباه والفِكْر في تفاصيلَ على جانب ضئيل من الأهمية، بدلًا من حَصْرها في الدلالة العامّة للأمر مَحَلِّ النظر والمُعاينة”.

إننا قد نقلْنا كلام الدكتور بهنام حرفيًّا التزامًا بأمانة النَّقْل، وإنْ كنا لا نَقبَل بكل ما أَوْرَدَه من عِبارات. ولا شك أن المعرفة الإنسانيَّة بهذه الأمور هي معرفة محدودة وظَنِّيَّة، يَصْعُب الوصول فيها إلى رأي قاطع يُمكِن البرهنة عليه تجريبيًّا أو منطقيًّا على نحو يَقْنَع به الجميع.

ونُشير هنا إلى أن العبارة القرآنيّة في تعليل اشتراط شهادة امرأتين وردت بلفظ (أنْ تَضِلَّ إحداهما فَتُذَكِّرَ إحداهُما الأُخرى) (البقرة: 282)، ولم تأتْ بلفظ: أنْ تَنسى إحداهما، مما قد يَدُلُّ على أنَّ العوامل التي تُؤثِّر في الشهادة ليست مقتصرة على الذاكرة وحْدَها، بل تَشْمَل عواملَ أخرى لم تُصَرِّح الآية بها.
والمسلمون يَرْضَون ويَطمئنّون إلى ما وَرَدَ بالأدلة الشرعيّة الموثوقة، علمًا منهم بأنَّ الله سبحانَه أَنزَل هذه التشريعات في كتابه وفي سنة رسوله لمَصلحة البَشَر، وبِنَاءً على عِلْمه المُطْلَق بما فَطَرَهم عليه وبما يَصْلُح لهم، نساءً ورجالاً.

(د) إنَّ أداء الشهادة ليس مَزِيَّة وحقًّا في الإسلام، بل هو واجب يَتَحمَّل بسببه الشاهد عَناءً و مَشقة؛ لذلك نرى الكثير من الناس يَكرهون أنْ يَدْعُوَهم القاضِي أو الخصوم إلى الشهادة، وبخاصَّة في قضايا الجِنَايات والحدود، لأنهم يَتعرَّضون للاستجواب من الخصوم، وللطعن في عَدالتهم (وهذا قد يؤذي المرأة أكثر من الرجل).
ولا نَنسَى أن الشريعة ـ في بعض أنواع الحدود كالزنى مثلاً، ولَدَى عدد من الفقهاء ـ تَقضِي بِجَلْدِ الشُّهود إذا لم تَكُن شهادتهم كافية لإثبات التهمة على المتهم؛ لهذا نرى أن استبعاد المرأة من الشهادة في الحدود والقِصَاص هو أيضًا تكريم لها، وحماية عن أنْ تَتعرَّض إلى ما يُزْعِجها، ويؤذِيها نَفْسيًّا في كثير من الحالات.

الموضوع الثاني:

أمّا أنَّ دِيَةَ المرأة هي نصف دِيَة الرجل، فهذا أيضًا موضع اتفاق بين الفقهاء استنادًا لآثار كثيرة مَرْوَِّية عن العديد من الصحابة.

وتعليل ذلك فيما يُظَنُّ هو أنَّ الدِّيَة إنما هي تعويض عن الضرر الماليِّ الذي يُصِيب أهل القتيل في القتل الخطأ، وهذا الضرر الماليُّ في موارد حياة أسرة القتيل، ومَن هو مسئول عنهم فِعْلاً أو احتمالاً، هو أكبر وأعظم أثرًا في حالة كَون القتيل رجلاً منه في حال كَون القتيل امرأة، في الأحوال العاديَّة.
فالرجل هو المسئول ماليًّا في نظام النفقات الإسلامي عن النفقة على نفسه، وعلى زوجته وأولادها.
فلا تُلزَم المرأة المتزوجة بالنفقة على نفْسها ولا على زوجها وأولادها ولو كانت غنيّةً، لكن الرجل (الزوج أو القريب بحسب أحكام تفصيلية معروفة) هو الذي تجب عليه النفقة.
والخلاصة: أن الالتزامات الماليَّة بالنفقة تقع دَومًا أو غالبًا على الرجل وَفْق الشريعة، لذلك كان الضرر الماليُّ على أولياء الرجل القتيل أكبر من الضرر الماليِّ في حال كَون القتيل امرأة، ولعل هذا هو السبب في اختلاف الدِّيَة بين الرجل والمرأة.

أما في حالة القتل العَمْد العُدوانيِّ الموجِب للقِصَاص، فهذا مَناطُه الصّفة الإنسانيّة في القتيل، ولا فرْق في هذه الصفة شرعًا بين الرجل والمرأة، ولذا يُقتَل الرجل بالمرأة، والمرأة تُقتَل بالرجل؛ لأنَّ القِصَاص ليس مبنيًّا على تعويض الضّرر المالي، بل على وجوب صيانة البِنية الإنسانيَّة من العُدوان عليها، وهنا يَتساوَى الرجال والنساء في الكرامة الإنسانية، ووجوب الصيانة.