السؤال:

مسألتي أنني أعمَل محاسبًا وكثيرًا ما اضطرِرت لتغيير عملي عندما أُوضَع تحت خيار تسجيل الفوائد أو ترك العمل. حاليًا معروض علي عمل في غالبيته محاسبة تكاليف في مصنع. لكن بالسؤال سلفًا قبل تَسَلُّمِ العمل أفادوني أنهم لديهم في البنك حساب مَدين جارٍ، وهم يسحبون منه عند الحاجة؛ لأن لديهم مستحقّات بمئات الملايين متوقِّفة عند الدولة من سنوات، وإن عملت معهم فلابد من احتسابي وتسجيلي لهذه الفوائد. المشكلة أننا ـ معشرَ المحاسِبين ـ إمّا أن نترك هذا العمل برمته، أو أن نخوضَ في تسجيل واحتساب الفوائد. هل من مَخرج أم تروْن أن يسعَى المرء لتغيير العمل بعد هذه السنوات من الدراسة والمُمارسة؟
جزاكم الله خيرًا وسدّد خطاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب:

إن جوابَ سؤالك سهل وصعب في الوقت نفسِه.
فهو سهل إن قلنا إنّ هذا العمل المحاسَبي غير جائزٍ؛ لأنه يقع في نطاق الحديث النبوي الشريف الصحيح الذي يلعن آكِل الربا ومؤكِلَه وكاتبه وشاهديه، فإن المحاسِب كاتب.
وهو صعب ومُحرج إذا لاحظنا أن جميع الشركات والمؤسّسات التجارية في العالم العربي والإسلامي ـ تقريبًا ـ هي من هذا النوع غير المشروع، ولو قلنا بعدم جواز عمل المحاسب القانوني في تدقيق حساباتها وإقرارها، فإن ذلك يعني عمليًّا ألَّا يستطيع المحاسبون العمل في ممارسة مِهنتهم إلا على نطاق ضيّق جدًّا.
فهذه حالة عموم البلوى التي بحثها الفقهاء وقرّروا فيها بعضَ أحكام استثنائيّة.
فقد قرر الحنفية أنّه إذا عمَّ الفساد وفُقِدَتِ العدالة يُقْبَل في القضاء شهادةُ الأمثل فالأمثل، لئلا يتعطَّل القَضاء.
وقرروا العفو عن سؤر الهِرة لعموم البلوى فيها؛ إذ تدخل البيوت من مختلف المنافذ، مع أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “الهِرّة سَبُعٌ”، أي هي من السِّباع المُفْتَرِسة، وهذا يستلزم نجاسة سُؤرها تبعًا للحمِها.
وقالوا: إن الإمام محمدًا صاحب أبي حنفية لما دخل الرّي، ورأى ريفها والآبار فيه مكشوفة والأنعام ترتع سائبةً، فيسقط بَعرُها في الآبار، وأن التحرُّز عنها غير مُمكن، أفتى ـ رحمه الله ـ بالعفو عن أبعار الأنعام، فإذا خَرج البعْر في الدَّلو يُطرَح البَعْرُ ويُسْتعمل الماء، دفعًا للحرج.

وورد في الحديث النبوي “ليأتينَّ على الناس زمان لا يَبْقى أحدٌ إلا أَكَلَ الرِّبا، فإن لم يأكلْه أصابه من بُخاره” وفي رواية “أصابه من غباره”(1)، وهو ضعيف السند لكن معناه محقَّق اليوم كما نرى جميعًا.
فالمحاسبة فرع من العلم يدرس في الجامعات، وهي باب رزق للكثيرين أمثالِك. وقد عمّت البلوى في الربا كما ذكرنا، فإذا سدَدْنا على المحاسبين الباب وقع المحاسِبون في حرج عظيم ولا يستطيعون تغييرَ اختصاصهم.
فالأولى أن يُعفى عن الكتابة والمحاسبة القانونيّة في الشركات لعموم البلوى، جمعًا بين مقاصِد الشّريعة والواقِع الذي لا يستطيع الأفراد تغييره.
هذا، وفي ضوء ما تقدّم يجب التمييز بين حالتين:
1 ـ الشركات التي يكون أصل عملها مشروعًا ولكنها يدخلها التّعامُل بالفائدة دخولاً جانبيًّا، وهذه هي المقصودة بما سبق.
2 ـ الشركات التي يقوم أصل عملها على المحرّم كالبنوك الرِّبوية فإن أصل عملِها هو المُراباة. فهذه لا يجوز ممارَسة المحاسبة والكتابة فيها، إلا في حالات الاضطرار في حدود الضرورة الشرعيّة.
هذا ما أراه في قضيتك هذه وأمثالها، والله سبحانه وتعالى أعلم.