السؤال:

هل يجوز شرعًا فتح يانصيب لغرض خيريٍّ، فتباع فيه تذاكر بقيمة جنيه استرليني واحد يربح فيه مشتري الورقة ذات الرقم الفائز بالسحب سيارةً، إذا كان الربح الحاصل من بَيع التذاكر سيوزَّع على المتضرِّرين من الفيضانات في بنغلاديش؟

الجواب:

قد يَتبادَر إلى الذهن، أنه ما دام الغرض من فتح اليانصيب خيريًّا بالنظر الإسلامي، وفيه فكرة المعاوَنة من مشتري التذاكر على هدف يحبِّذه الإسلام أو يوجِبه، فلتقاصُر الهمم عن القيام بالواجبات الكفائيّة، ومنها مَثَلًا إمداد المَنكوبين بكارِثة في بعض البلاد الإسلامية، ويكون في أسلوب اليانصيب (حيث يأمُل كثير من الناس أن يُحالِفَهم الحظُّ فيربَحوا الجائزةَ) حافز لهم على شراء التذاكر، لا يتوافَر حين يُطلَب منهم التبرع للغرض الخيريّ فقط دون هذا الحافز من الأمل.
هذه الفكرة قد ترد ولا شكَّ إلى الذِّهن فرقًا بين اليانصيب الخيريّ واليانصيب التّجاري الذي هو قِمار محضٌ لا شبهةَ فيه.
ولكنني بعد طول تفكير ترجَّح عندي أن هذه الفكرة غير مقبولة في النظر الإسلامي، فإن فيها سلوك الواسطة الحرام للوصول إلى الهدف المشروع.
وإن الإسلام لا يَقبل فيه مبدأ أن الغاية تُبَرِّر الواسطة، فإن هذا المبدأ الذي يعتمده اليهود والشيوعيُّون يفتح أبوابًا من الوسائط الإجرامية لا حدود لها، فيجب في الإسلام أن تكون الغاية والواسطة كلتاهما مشروعتَين.

وبهذه المناسبة أقول لكم أيها الأخ الكريم: إن علماء القانون الوضعي يقرِّرون أن الإكراه على العقد هو من شوائب الإرادة العقديّة، أو ما يسمُّونه: عيوب الرِّضا، ويوجب إبطال العقد، ولو كان الغرض من الإكراه مشروعًا (كمن أَكْره مَدينه المُماطِل على إعطائه رَهنًا بدينِه) ما دامت الوسيلة المُرهِبة المستعملةُ في الإكراه غيرَ مشروعة (كالضرب أو الحبس أو التهديد بأذًى يلحَقه به).
ولا يستثنُون من ذلك إلا حالةً واحدة من الإكراه، وهي ما لو كان الغرض والوسيلة كلاهما مشروعين، كمن هدَّد مدينَه بإقامة دعوى قضائيّة عليه، حتى أعطاه رهنًا بدينِه يَطمئِن به على الاستيفاء.
فانظر أيها الأخ الكريم ما أشبه هذا بموضوعنا! فلابد في الإسلام من أن تكون الغاية والوسيلة كلتاهما مشروعتين، فليس علماء القانون الوضعي بأحكم من شريعتنا الإلهية وفقهها.

وقد كان المَيسر في جاهلية العرب ذا غاية نبيلة وخيِّرة، حيث كان الخاسر فيه يذبح جزورًا يأكل منه اللاعبون وسواهم من فقراء القبيلة، ومع ذلك حرَّمه الإسلام بنصِّ القرآن؛ لأن وسيلته غير سليمة، وهي الاعتماد على الحظِّ، وما يجرُّه اللعب من آفات أشار إليها القرآن بقوله: (إنَّما يُريدُ الشَّيطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوةَ والبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ والمَيْسِر ويَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة: 91).
هذا إلى أنّ مَن يشتري تذكرة اليانصيب، حينما يكون ربح الفائز مُغريًا ضخمًا كسيارة مثلاً، لا يتجه برغبته إلى بذل المَعونة لأجل الهدف الخيري لليانصيب وإنما كلّ همِّه الأمل في ربح السيارة بأيسر سبيل وأرخص ثمن هو شراء التذكرة، وهذا هو الأمل الفاسد الذي يقود صاحبه إلى الفشل، ويُقعده عن العمل الجَدِّيِّ المُجْدِي الذي هو الوسيلة الصحيحة للاكتساب.

هذا ما استقرّ عليه رأيي في هذا الموضوع فمن كان يتحسَّس بواجبه في المعاونة على الواجبات، فليبذل ما يعادِل ثمن تذكرة اليانصيب مُبتغيًا وجه الله تعالى، والقليل من الكثير كثير، ولتبق سبل الخير طاهرة تدل على أخلاق سالكيها (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) (الكهف: 110).