السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فلا يخفاكُم أن ما يسمّى "أخذ الخلو أو نقل القَدَم" من المستأجِرين من المسائل التي يقوم العمل عليها في سائر البلاد الإسلامية وغيرها من زمن غير قصير. ولكنها في الآونة الأخيرة أخذت حجمًا أكبر من ذي قبل حيث تبلغ في بعض الأحيان ملايين، وبينما يكون الإيجار الشهري أو السنوي أقلّ من ذلك بكثير. وقد تحدّث عن هذه المسألة بعض أهل العلم من المتأخِّرين كابن عابدين الشامي في الدر المختار 7/37، والبجيرمي على الخطيب 3/3 فرَأَوا جواز ذلك قياسًا على النزول عن الوظائف. وفي هذه الأقْيِسة نظر لا يخفَى. ونرى أن هذه المسألة جديرة في أن تُفرد بالبحث المركّز والعميق لتأخذ حظها من نظر الفقهاء. وذلك ما لم نجدْه فيها بحيث يجعل في النفس حيرةً وتساؤلاً كبيرًا عن هذه المسألة من وجهة نظر الشرع. فنرجو من سيادتكم إفادتنا برأيكم حولها وبمن كتب عنها من المتأخرين. شاكرين لكم ذلك وداعِين لكم بالخير العَميم وطول العمر وحسن العمل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تلقيت رسالتكم الكريمة بشأن مسألة الخُلو عن العقارات المأجورة، وإليكم فيما يلي جوابي:

إذا لم يكن في ظل النظام القائم النافذ حقٌّ لمستأجِر العقار في البقاء فيه، بل يحق للمالك المؤجِّر في نهاية مدة الإيجار المتعاقد عليها أن لا يجدِّدَ له العَقد، وأن يطلبَ من القضاء إخلاءَه إذا امتنع عن الإخلاء، فإن مسألة الخُلُو لا توجد في التعامل، ولا داعِي لوجودِها، لأن من يُريد عقارًا بعينه (مَتجرًا أو بيتًا) يستطيع انتظار انتهاء مدة إيجارها، فيغري المؤجِّر بزيادة الأجرة كيلا يجدِّد للمستأجر، ويتعاقَد مع من يرغب الحلول محلَّ المستأجر متى انتهت مدة إيجاره، فلا داعِي يدعوه لأن يدفع خُلُوًّا للمستأجِر، إلا إذا كان الرّاغب مستعجلاً يُريد أن يتخلّى له المستأجِر عن مدة إيجاره.
وبتعبير آخر: لا تنشأ مسألة الخُلو حيث يكون الإيجار حُرًّا.

وفقهاؤنا إنما بحثوا مسألة الخلو في عقارات الأوقاف لأنها معرّضة للإيجار دائمًا، وليس لمتولي الوقف أن يسكنَها بنفسه استئجارًا، وكانت فتواهم أن المستأجِر لعقار الوقف إذا كان يدفع أجر المثل، فليس للمتولي على الوقف أن يخرجه في نهاية مدة إيجارِه إذا كان المستأجر يريد البقاء، بل على المتولِّي أن يجدِّد له العقد مدة أخرى بأجر المثل، وذلك رحمة بالمستأجر من أن يتحكَّم به المتولِّي فيضطرُّه إلى الزيادة عن أجر المثل، أو حِقدًا عليه ونِكاية، فأفتَوْا بحق المستأجر في البقاء بأجر المثل، وامتنع بهذه الفتوى على المتولي إخلاؤُه.

هذا ما نص عليه الفقهاء وهو خاص بعقارات الأوقاف ولا يُطبَّق على العقارات المملوكة غير الموقوفة؛ لأن مؤجِّر العقار المملوك قد يريد أن يسكُنَه بنفسه أو بمن يخصُّه، أمّا عقار الوقف فهو مُعَدُّ للإيجار دائمًا كما بينته آنفًا هذه حدود نصوص الفقهاء في الموضوع، وبناء عليها أفتى ابن عابدين وغيرُه بجواز أخذ الخُلُوِّ (ويُسمُّونه سُكْنَى).

ولكن في الحاضر منذ أنْ قام في معظم البلاد، بسبب قلة العقارات وزيادة عدد السكان، نُظُمٌ للإيجارات، وقوانينُ تقيِّدها وتمنع المالك من أن يخرج المستأجر في نهاية مدة الإيجار إلا بموافقته أو في حالات معينة، أصبح للمستأجرين (في ظل الأنظمة القائمة التي تقيِّد حق المالك في زيادة الأجرة وفي الإخلاء) حقّ البقاء في العقار المملوك، كما في عقار الوقف الذي أفتَى فيه فقهاؤنا الأولون.

وبذلك لم يبق طريق لمَن يريد أن يحلَّ في عقار مأجور محل مستأجِره إلا أن يتفاهَم مع المستأجر ليرضيَه بالتخلِّي عنه مُقابِلَ عِوَض يتفقان عليه يسمُّونه خلُوًّا، واختلفت فتاوى المعاصرين حوله: فحرّمه بعضهم بحجة أنه لا مُقابل له، فهو من باب أكل الأموال بالباطل، وأباحَه آخرون.

وإنّي من الذين يُفتون بجوازِه وحلِّه مادام القانون السائِد يمنع المؤجِّر من الزيادة أو الإخلاء في نِهاية مدة الإيجار، وما دام المستأجر في ظل القانون يتمتع بحقِّ البقاء ما لم يرغب في التخلِّي برضاه، ووجهة نظري أن حقّ البقاء هَذا للمستأجِر هو حق مالي مقوَّم بقيمة ذات أهمية كبيرة عُرفًا، فلا يصح قولُ المانعينَ إن مبلغ الخُلو يأخذه المستأجِر بلا مُقابل (فهو من باب أكل أموال الناس بالباطِل) بل هو مُقابل حقٍّ مالي ذي قيمة كبيرةٍ هو حقُّه في البقاء، فقد أصبح حقُّه هذا مثل حق مستأجر عقار الوقف الذي أفتَى به فقهاؤنا بمنع المتولي على الوقف من إخلائه وعدم تجديد إيجاره ومن زيادة الأجر عليه ما دام مُستعدًّا لدفع أجر المثل، فقد تساوَى مستأجر عقار الوقف مع مستأجر المملوك في ظلِّ الأنظمة القائمة اليوم التي تقيِّد حقَّ المالك في إخلاء المستأجِر إلا في حالات استثنائية معينة، فيجوز للمستأجر أن يأخذ خُلُوًّا ممَّن يرغب الحلول محلَّه بالتراضي، كما أفتى فقهاؤنا في العقار الموقوف سواء بسواء.
هذا ما أراه في المسألة والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


الوسوم: , ,