السؤال:

هل يجوز لمن وقف شيئا لله أن يرجع فى هذا الوقف لأن أخوته بعدما تنازلوا له عن نصيبهم فى هذا الوقف يريدون الرجوع فيه مرة أخرى؟

الجواب:

الوقف في اللغة: الحبس يقال. وقف يقف وقفاً أي حبس يحبس حبساً. وفي الشرع: حبس الأصل وتسبيل الثمرة. أي حبس المال وصرف منافعه في سبيل الله.
أنواعه:
والوقوف أحياناً يكون الوقف على الأحفاد أو الأقارب ومن بعدهم إلى الفقراء ، ويسمى هذا بالوقف الأهلى أو الذري. وأحياناً يكون الوقف على أبواب الخير ابتداء ويسمى بالوقف الخيري.
مشروعيته:
وقد شرع الله الوقف وندب إليه وجعله قربة من القرب التي يتقرب بها إليه؛ ولم يكن أهل الجاهلية يعرفون الوقف وإنما استنبطه الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعا إليه وحبب فيه برًا بالفقراء وعطفاً على المحتاجين. فعن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له”.
والمقصود بالصدقة الجارية “الوقف” . ومعنى الحديث أن عمل الميت ينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاث لأنها من كسبه: فولده، وما يتركه من علم، وكذا الصدقة الجارية، كلها من سعيه.
وأخرج ابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما نشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصفحاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته”. ووردت خصال أخرى بالإضافة إلى هذه فيكون مجموعها عشراً.
نظمها السيوطي فقال:
إذا مات ابن آدم ليس يجري عليه من فعال غير عشر
علوم بثها ودعاء نجل وغرس النخل والصدقات تجري
وراثة مصحف ورباط ثغر وحفر البئر أو إجراء نهر
وبيت للغريب بناه يأوي إليه أو بناء محل ذكر
وقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف أصحابه المساجد والأرض والآبار والحدائق والخيل. ولا يزال الناس يقفون من أموالهم إلى يومنا هذا. وهذه بعض أمثله للأوقاف في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن أنس رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأمر ببناء المسجد قال: “يا بني النجار: تأمنوني بحائطكم هذا (أى طلب منهم أن يدفع ثمنه ) فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى فأخذه فبناه مسجدًا.
2- وعن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من حفر بئر رومة فله الجنة. قال: فحفرتها”. وفي رواية للبغوث: أنها كانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، كان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم تبيعينها بعين في الجنة ؟ فقال: يا رسول الله: ليس لي ولا لعيالي غيرها. فبلغ ذلك عثمان. فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم. ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال: نعم. قال: قد جعلتها المسلمين.
3- وعن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إن أم سعد ماتت بأي الصدقة أفضل قال: الماء. فحفر بئراً وقال: هذه لأم سعد.
4- وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر انصاري بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء. وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. فلما نزلت هذه الآية الكريمة: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون”.
قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله تعالى يقول في كتابه “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون” وإن أحب أموالي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، قد سمعت ما قلت فيها وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
5- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني به؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن شئت حبست أصلها” وتصدقت بها”. فتصدق بها عمر: أنها لا تباع ولا توهب ولا تورث ؛ وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول”. قال الترمذي: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله وعليه وسلم وغيرهم، لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافاً. وكان هذا أول وقف في الإسلام.
6- وروى أحمد والبخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من احتبس فرسًا في سبيل الله إيماناً واحتسابًا فإن شبعه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات”.
7- وفي حديث خالد بن الوليد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله”.
انعقاد الوقف:
ويصح الوقف وينعقد بأحد أمرين:
1- الفعل الدال عليه: كأن يبني مسجداً ويؤذن للصلاة وفيه ولا يحتاج إلى حكم حاكم.
2- القول: وهو ينقسم إلى صريح وكناية فالصريح: مثل قول الواقف: وقفت وحبست وسبلت وأبدت. والكناية: كأن يقول: تصدقت ناوياً به الوقف.
أما الوقف المعلق بالموت مثل أن يقول: “داري أو فرسي وقف بعد موتي” فإنه جائز ذلك في ظاهر مذهب أحمد، كما ذكره الخرقي وغيره، لأن هذا كله من الوصايا، فحينئذ يكون التعليق بعد الموت جائزاً لأنه وصية.
لزومه:
ومتى فعل الواقف ما يدل على الوقف أو نطق بالصيغة لزم الوقف بشرط أن يكون الواقف ممن يصح تصرفه، بأن يكون كامل الأهلية من العقل والبلوغ والحرية والاختيار، ولا يحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه وإذا لزم الوقف فإنه لا يجوز بيعه ولا هبته ولا التصرف فيه بأي شيء يزيل وقفيته. وإذا مات الواقف لا يورث عنه لأن هذا هو مقتضى الوقف. ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما تقدم في حديث ابن عمر: “لا يباع ولا يوهب ولا يورث”. ويرى أبو حنيفة أنه يجوز بيع الوقف قال أبو يوسف لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث لقال به والراجح فى مذهب الشافعية أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل إلى الله عز وجل فلا يكون ملكاً للواقف ولا ملكاً للوقوف عليه. وقال مالك وأحمد: ينتقل الملك إلى الموقوف عليه.

وبناء على هذا نقول للسائل مادام الورثة قد اتفقوا جميعا على وقف هذا المال لله عز وجل فلايجوز لهم الرجوع فى هذا الوقف وليحتسبوا أجره عند الله وسيعوضهم الله خيرا منه والله أعلم