السؤال:

نقل إلىَّ أحد الأساتذة المحترَمين سؤالاً من أحد الموسيقيين الفنانين الأجانب؛ الذين اعتنقوا الإسلام في العصر الحاضر: إنه لِمَزيد إعجابه بتلاوة القرآن العظيم، وتأثُّره بترتيله وتجويده، يريد أن يصوغ بعض سور القرآن في مقطوعاتٍ موسيقية من الموسيقا المجرّدة الصامتة على طريقة السمفونيات، بحيث تكون القطعة الموسيقية الواحدة تعبِّر ألحانها عن السورة الفُلانية من القرآن، وتخلِّدها في لحن فني؛ وذلك لأن الرَّجل هو من الموسيقيين البارعين، فيريد أن يخدم القرآن من ناحية اختصاصه الفنيِّ، فهل هذا العمل مستحسَن من الناحية الإسلاميّة؟ وهل يكون بذلك قد أدَّى لعقيدته الإسلاميّة الجديدة التي اعتنقتها بعض حقِّها عليه؟

الجواب:

بسم الله، و الحمد لله، والصلاة و السلام على رسول الله، و بعد :

إن هذا العمل لا يجوز شرعًا، فالقرآن خالد بإعجازه القائم على بلاغته وصياغته وحقائقه العليا وحكمته وإحكامه، وليس خلوده بقائم على الألحان والأنغام.

وإن قيل : وما حكمة هذا الحظْر؟ وبماذا نُقنِع مثل هذا الرَّجُلِ الأجنبي أن الموسيقى لا يجوز أن تدخلَ في العبادة الإسلامية؟ فإن الأجنبي لا نستطيع إقناعَه إلا بشيء معقول، فقد يقول لنا : أليس القرآن يُرتَّل ترتيلاً في الصلاة، وهذا الترتيل فيه من الموسيقى ما يزيد القرآن رَوعة وتأثيرًا؟!
فإذا دعَّمْنا موسيقى التلاوة القرآنيّة القائمة على الترتيل والتجويد بموسيقى خارجيّة تصاحبُها وتقوِّيها، لا نكون قد أدخلنا شيئًا غريبًا ليس له أصل في نظام عبادتِنا، فما هي حجّتنا المُقنِعة في الموضوع؟

قلت : إن الحُجّة نجدها بالرجوع والنظر إلى مبنى نظام العِبادة في الإسلام.

فنظام العبادة في الإسلام قد بُنِيَ على أساسين :

الأول يتعلّق بغاية العبادة، والثاني بطبيعتها :

فأمّا الأساس الأول : المتعلّق بغاية العِبادة، فإننا بالنظر إليه نجد أنّ الإسلام قد بَنَى عباداتِه على أساس يكفُل قيادة المكلَّف إلى غايةٍ رُوحية يتحقّق له فيها إصلاح نفسه؛ لتكون عنصرًا طيِّبًا نافعًا في هذا المجتمع البشري، يَنفح بالخير والنُّصح، ويتوقَّى الشَّرَّ والضُّرَّ، وذلك عن طريق محاسَبة النفس، ومُراقَبة الله تعالى واليوم الآخر.

ولذلك جعل الإسلام بعضَ عباداته إنما يجِب مرّة في العمر كالحجِّ، وبعضها مّرة في السَّنة كالصيام والزكاة، وبعضها يتكرَّر يوميًا مرة كل يوم عدة مرات كالصلاة. والأصل في العبادة التكرُّر؛ لأن الغاية منها ذلك التذكُّر للواجبات بمراقَبة النفس، والتوجُّه إلى الله تعالى؛ كي يسموَ الإنسان سموًّا رُوحيًا يتغلَّب فيه جانب الخير على جانب الشَّرِّ.

ولذا كان في الإسلام عبادات ذات ثمرة سياسيّة واجتماعية كالحج والزكاة؛ لأن غاية العبادة تمحيضُ المُكلَّف لخير نفسه وخير المجتمع، عن طريق التَّصفية الرُّوحية، ومحاسَبة النَّفس، ومُراقَبة الله، والتَّحذير من المَصير الأخير.

وبحسب المشقّة الطّبيعيّة في العبادة يكون التكرُّر فيها :

فالحجُّ مرة في العمر لما فيه من سفر ونفقة ووقت.

والزكاة سنويّة لتعلُّقها بنماء المال، وهذا النّماء دورته الطبيعية سنويّة.

وصيام الشهر دورته سنويّة أيضًا. ولو لم تكن دورته سنويّة لكان مُستمِرًّا دهريًّا، وعندئذٍ يصبح طبيعةً عادية، فيزول الإحساس به، ولا تتحقَّق وظيفته الرُّوحيّة والصحيّة والاجتماعيّة.

أما الصلاة فهي الأخفُّ عِبئًا من حيث المَشقّة، وهي الأكثر ذكرًا ومُناجاة لله تعالى وتوجُّهًا إليه؛ ولذا كانت متكرِّرة في اليوم الواحد مَرّاتٍ.

وقد جُعِلَتْ لهذه العبادات محطات أساسية، هي الفرائض في دوراتها العُمُريّة أو السنويّة أو اليوميّة، وترك ما يزيد عنها للتطوُّع الاختياري بصورة يُحفَظ فيها حقُّ النفس في الحياة ودواعيها ولوازِمها، وحقُّ الله، وحقُّ الأسرة، وحقُّ المجتمع، دون أن يطغَى فيها جانب على جانب. فإن جار المكلَّف على أحد هذه الجوانب لأجل الآخر أصبحت عبادته معصية، كما لو أهمل نفسه في سبيل العبادة، أو أهمل زوجه أو ولده، وَفقًا لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن انقطع عن العبادة: “إنَّ لِرَبِّك عليك حَقًّا، ولِنَفسِك عليك حقًّا، ولأهلِك عليك حقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّه”[1].

وإن دواعي الأهواء والشهوات والأطماع والمغريات وسائر أسباب الغفلة عن الله كثيرة متكرِّرة يوميًّا، فالصلوات الخمسُ إذا مُورِسَتْ بخُشوع وتدبُّر كَفيلةٌ بأنْ تردَّ الإنسان إلى الجادّة، وتذكِّره أو تنبِّهه كلّما حدثَت له غفلة؛ ليبقَى دائمًا مع الله تعالى.

وفي الوقت نفسه وَسَّعَ الإسلامُ مفهومَ العبادة، فجعل الاستمتاع واستيفاء الحظوظ، من مَطعم ومَشرب ومَنْكِح وراحة ونُزهة وغير ذلك من المُتَع الحلال، كلها تصبح عبادات ملحَقة إذا استوفاها الإنسان بنيّة الطاعة، أي: على أساس أنها أباحها الله، وأنها وسيلة لِتقوية نفسه على القيام بالواجبات.

وبذلك تكون جميع المُتع اللذيذة المُباحة هي من المؤمِن المتذكِّر عمَلًا إنسانيًا ملحَقًا بالعبادات، وتكون من غير المؤمِن عملاً حيوانيًّا، كما يقول الله تعالى: (والذِينَ كَفَروا يَتَمَتَّعونَ ويَأْكلونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعامُ) [محمد: 12] وذلك بحسب الفكرة التي تصاحب الاستمتاع.

والقصد أن يكون المؤمِن دائمًا مع الله، غيرَ غافل عنه.

وأما الأساس الثاني : المتعلِّق بطبيعة العبادة، فإن الإسلام أراد أنْ يجعلَ العبادة عملًا عقليًّا وتفكيريًّا، بعدما أصبحت في كثير من المذاهب الوثنيّة وغيرها مراسم شكليّة، أو أنغامًا موسيقيّة.

فقد انتشرت قبل الإسلام وبعده إلى اليوم طرائق التعَبُّد بالموسيقى، فاختلطَتِ الأحاسيسُ والمشاعِر الفنيّة الجَميلة، وما ينشأ عنها من نشوة وطَرب، فامتزَجت بالعبادة مُناجاة الله، بينما الأحاسيس الفنية والعبادة هما أمران مُتبايِنان.

فإذا أصبحت العِبادة موسيقى وأنغامًا حُقَّ للفاسِق في الملاهي أن يُعِدَّ نَفْسَه مُتعبِّدًا بالنشوة والإحساس الفني من الموسيقى؛ التي يسمعُها في الملَهى كمن يسمعها في المَعبد!!

وهكذا ترفَّع الإسلام بالعبادة عن مُستوى المَراسم العَمياء، والطقوس الشَّكليّة المَحضة التي يُقْصَد بها السيطرة على أوهام الناس دون معنى عقلي، كما ترفَّع أيضًا عن موضوع النّشوة والطَّرب الناشئين من العمل الفني كالموسيقى، وهذا سموٌّ بالعبادة إلى مستوى رفيع يَليق بالإنسان العاقِل المتميِّز بعقله وتفكيره عن سائر المخلوقات.

ولذا نجد العباداتِ في الإسلام تشتمل كلُّها على عنصريِ التَّفكير والعزيمة الإنشائيّة، فالتفكير والعَزيمة هما ركن العبادة في الإسلام كما يتَّضِح من المُلاحظات التالية :

أولاً : إنّ العِباداتِ كلَّها أعمال إراديّة تنشأ بها العبادة بعزيمة إنشائيّة، وتنعَقِد في نظر الشَّرع كما تنعقد العقود، وتُشترَط لها شرائطُ، تخضع للصحة والبُطلان كما تخضَع العقود.

ثانيًا : إن العبادات في الإسلام تُشترَط فيها جميعها النية، والنِّيّة عمل عقلي باطني، وعزيمة فكريّة.

ثالثًا : إن هذه النِّيّة العقليّة هي كلُّ شيء في العِبادات الملحَقة، وهي الأفعال الحيويّة والمُتع المُباحة من مَأكل ومَشرب ومَنْكِح ومُتَنَزَّهٍ، فتنقلها النِّيّة كما أشرنا إليه آنفًا من استمتاع حيوانيّ إلى عبادة عقليّة، ولذلك يقول علماء الإسلام : إن النِّيّة هي المُميِّز الفارق بين العادة والعبادة.

وتتجلَّى هذه الناحية التفكيرية في جميع العبادات الإسلامية الأربع الأساسية:

فالحج يقوم فيه المسلم بعمل فيه تفكير رُوحي واجتماعي وسياسي.

والزكاة والصيام يتجلَّى فيهما كذلك ممّن يقوم بهما أجلى صور التفكير الرُّوحي والاجتماعي.

والصلاة تَبْرُز فيها وتتجلَّى هذه الصورة من العمل العقلي السامي أكثرَ من سواها، فهي كلُّها أدعية وأذكار وقرآن ومناجاة وتضرُّع وتوجُّه إلى الله، والأعمال والحركات فيها مناسِبة للمعاني التي يردِّدها المصلِّي.

وأما الموسيقى التي تتجلَّى في ترتيل القرآن وتجويده، فإنها التوقيع الطبيعيُّ الذي يتجلَّى في حسن القراءة، وجودة النُّطق الصَّحيح والأداء المُحكَم، فهي كالجَمال الطبيعي والنَّظافة وحسن التجميل بالحدود الطبيعيّة.

فكل كلام حسن الأداء فيه موسيقى طبيعيّة ذاتيّة، وهذا غير الموسيقى الخارجية الصناعية التي هي عمل فني مستقِلّ.

وعلى هذا الأساس لا يَقبل الإسلام أن تُصاغ سور من القرآن قِطعًا موسيقيّة، كما لا يقبل أن تَصحَبَ العبادةَ موسيقى خارجيّة؛ لأن العمل العقلي في العبادة عندئذٍ يَغيب تحت رداء النشوة الفنيّة، فنخرج من حيِّز العبادة والفكر السامي إلى حيِّز الطرب الذي يكون حظُّ الحس فيه أكبر من حظ العقل، كما قد يكون حظ المُتعبَد فيه أوفَى من المتعبَد، فيضيع معنى العبادة.

ولذا نعَى القرآن على الجاهلين أن صلاتهم عند البيت ما كانت إلا مُكاءً وتصدية، أي: مراسمَ من تصويت وتصفيق.

والخلاصة أن الإسلام ميَّز بين الأحاسيس الفنيّة التي هي مشاعر نفسية غريزيّة لا صلة لها بالعقل والتفكير، وبين العبادة المزكِية للأنفُس البشرية ويجب أن تكون تأمُّلًا وتفكيرًا.

ولما ارتقى الإسلام بالعقيدة، فجعلَها عقليّة محرّرة من الأوهام والخُرافات، ارْتَقى أيضًا بالعبادة، فجعلها عملًا عقليًّا ساميًا وتفكيرًا، وعَزيمة ونِيّة وتعبيرًا.

والله أعلم.

[(1) رواه البخاري (1968) في الصوم، و(6139) في الأدب، والترمذي (2415) في الزهد، وزاد الترمذي فيه: “ولضيفك عليك حقًا “].