السؤال:

هل صحيح ما يقال :‏ إن المعوذتين ليستا من القرآن الكريم ؟

الجواب:

هذا الكلام قديم وذكرته بعض كتب التفسير ونسب إلى عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ، يقول القرطبى فى تفسيره “ج ‏25 ص ‏251” زعم ابن مسعود أنه ما -‏ “قل أعوذ برب الفلق “و”قل أعوذ برب الناس “-‏ إلا دعاء تعوذ به النبى صلى الله عليه وسلم -‏حين سحرته اليهود، وليستا من القرآن .‏ خالف به الإجماع من الصحابة وأهل البيت .‏
وهذا الكلام يعنى أن المعوذتين من القرآن ، والدليل عليه هو الإجماع من الصحابة و أهل البيت ، ثم ذكر القرطبى مبررات لقول ابن مسعود ، فذكر أن ابن قتيبة قال :‏ لم يكتب عبد الله بن مسعود فى مصحفه المعوذتين لأنه كان يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين -‏رضى الله عنهما-‏بهما ، فقدَر أنهما بمنزلة :‏ أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة .‏
ومن المعلوم أن المصحف الرسمى المعوَّل عليه هو ما كان يمليه النبى صلى الله عليه وسلم على كتَّاب الوحى، وكان بعض الصحابة يكتب لنفسه ما نزل من القرآن فى مصحف خاص كابن مسعود، وقد تكتب فيه تعليقات وتوضيحات وهوامش يراها صاحب المصحف هامة عنده ، وعلى فرض أن ابن مسعود لم يكتبهما فى مصحفه فليس ذلك دليلا على أنهما ليستا من القرآن الكريم ، ومن المعلوم أن عثمان بن عفان ،رضى اللّه عنه عندما جمع المصحف تحت إشراف لجنة مختصة، ونسخ منه عدة نسخ وأرسل بعضها إلى الأمصار لتكون إمامًا للناس -‏أمر بإحراق كل ما عدا المصحف الذى جمعه حتى يكون المصحف الرسمى واحدًا لا خلاف فيه .‏
وأبو بكر الأنبارى لا يرضى قول ابن قتيبة فيما نسب إلى ابن مسعود ويؤكد‏ أن المعوذتين من كلام رب العالمين المعجز لجميع المخلوقين ، وأن “أعيذكما بكلمات اللّه التامة” واضح أنه من قول البشر، وكلام الله الخالق الذى هو معجزة لخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم وحُجة باقية على الكافرين -‏ لا يلتبس بكلام الآدميين على مثل عبد اللّه ابن مسعود العالم باللغة وأفانين الكلام .‏
ثم يذكر القرطبى أن ترك عبد الله بن مسعود لكتابتهما سببه كما قال ‏ البعض أنه آمن عليهما من النسيان ، كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه لذلك .‏ مع أنه حافظ متقن ، ولكن هذا التعليل غير مسلَّم ، لأنه كتب :‏ إذا جاء نصر اللّه والفتح ، إنا أعطيناك الكوثر، وقل هو الله أحد، وهن كالمعوذتين فى عدم الطول وفى سرعة الحفظ ، ونسيانهن مأمون .‏
وذكر ابن كثير فى تفسيره عدة روايات تثبت أن المعوذتين من القرآن وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما فى الصلاة ويرغب فى قراءتهما لما لهما من الثواب العظيم ، وأكثر هذه الروايات فى مسند أحمد وفى سنن النسائى وروى مسلم فى صحيحه عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “ألم تر آيات أُنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط ، قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ” .‏
كما جاء فى تفسير ابن كثير أن البخارى روى عن زرِّ بن حُبيش أنه سأل أُبى بن كعب :‏ يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا تقال :‏ إنى سألت النبى صلى الله عليه وسلم فقال “قيل لى فقلت ” فنحن نقول كما قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والحافظ ابن حجر ذكر كثيرا مما تقدم يؤكد الإجماع على أن المعوذتين من كلام الله تعالى وقرآنه الكريم “ج ‏8 ص ‏615 ” .‏
يؤخذ من هذا الكلام أن المعوذتين من كلام الله ومن سور المصحف .‏ الشريف ، وعدم كتابة ابن مسعود لهما لا يلزم منه أنهما ليستا من القرآن ، بصرف النظر عما جاء من تعليل لذلك ، فالإجماع منعقد من أيام الصحابة على أنهما من القرآن الكريم ، ومصحف عثمان هو الإمام لكل المصاحف لإجماع الصحابة عليه .‏