السؤال:

شيخنا الكريم، ما حكم “التربيطات” الانتخابية التي تحدث بين الأحزاب، أو بين الجماعات والأحزاب؟

الجواب:

إن المقصود بالتربيطات الانتخابية هو ما يسمى بالتحالفات، وهذه تقسم من وجهة النظر الشرعية إلى ثلاثة أقسام
القسم الأول: هو التحالف بين جهتين إسلاميتين، أو بين مرشحين إسلاميين، وهذا يعتبر تحالفًا مبدئيًا، الحاكم فيه على الطرفين هو الإسلام بمبادئه العامة، ولو كان بين الطرفين اختلافات شرعية جزئية. ولا بد أن يقوم هذا التحالف على قضايا إسلامية معينة تتفق فيها وجهة نظر الطرفين المتحالفين، وهذا النوع هو أقوى أنواع التحالف، وهو المأمور به شرعا حين تتوفر ظروفه؛ لقوله عز وجل: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”.

القسم الثاني: هو التحالف السياسي الذي تضطر إليه جهة إسلامية أو مرشح إسلامي حين يتعاون مع جهة أخرى غير إسلامية، أو مع مرشح غير إسلامي، كالتحالف مع الجهات القومية أو الوطنية أو حتى غير الإسلامية. وهذا التحالف يجوز إذا كانت هناك قضايا سياسية عامة تلتقي فيها وجهة النظر الإسلامية مع وجهة النظر الأخرى، كما لو كان التحالف مثلا يطرح قضية محاربة الفساد المالي في الدولة، أو محاربة الرشاوى، أو المطالبة بتعديل بعض القوانين لتكون منسجمة مع الأحكام الشرعية، خاصة إذا كانت الجهة غير الإسلامية تقبل بمثل هذا التعديل، ولو كان قبولها لاعتبارات أخرى، ففي هذه الأحوال وأمثالها يقع التحالف على أسس سياسية مشتركة، لكنها مقبولة من وجهة النظر الإسلامية، وهذا التحالف جائز في نظرنا؛ لأنه يساعد المرشح المسلم أو الجهة الإسلامية على تحقيق بعض أهدافها، بالتعاون مع جهات أخرى تعيش معها في مجتمع واحد، والدليل على جواز هذا التحالف هو “حلف الفضول” الذي شارك فيه رسول الله في الجاهلية، وكان حلفًا بين زعماء قريش على إغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج وغير ذلك من مكارم الأخلاق التي يدعو إليها الإسلام، وقد قال رسول الله بعد البعثة: “لقد حضرت في بيت عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت”؛ فهو إذن حلف بين المسلمين وغير المسلمين على مسائل مشروعة، وقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم

القسم الثالث: هو التحالف الانتخابي البحت، وهذا يقع عندما يفرض القانون على المواطن أن ينتخب عددا كبيرا من المرشحين في دائرة واحدة (عشرة مثلا أو ربما عشرين أو أكثر) ويكون الناس في هذه الدائرة الانتخابية موزعين بين انتماءات فكرية أو سياسية أو دينية متعددة، بحيث إن أصحاب الانتماء الواحد إذا انتخبوا مرشحهم فهو لا يمكن أن ينجح لأن أصحاب الانتماءات الأخرى لا ينتخبونه، وقد يشكلون أكثرية الناخبين؛ مما يدفع أصحاب الانتماءات المختلفة إلى أن يتحالفوا في دائرة انتخابية واحدة، فيساعد كل واحد منهم المرشحين الآخرين على النجاح، ويساعده الآخرون على نجاحه هو أيضا. مثل هذه التحالفات يمكن أن تكون جائزة شرعا، ويمكن أن تكون ممنوعة شرعا، وذلك مبني على مجموعة من الظروف التي تحيط بالمرشحين وبانتماءاتهم الفكرية أو السياسية

أولا: فمن غير الجائز مثلا أن يساهم المرشح المسلم في إنجاح مرشح آخر إذا كان معاديًا للإسلام، ولو كان في مساهمته نجاحه هو نفسه، خاصة إذا كانت عداوة هذا المرشح للإسلام أكثر ضررا من استفادة المسلمين من نجاح مرشحهم الإسلامي

ثانيا: وقد يكون الأمر (التحالف الانتخابي البحت) جائزا إذا أدى إلى نجاح المرشح المسلم، ولم يكن المرشح الآخر الذي تحالف معه -ويمكن أن ينجح هو أيضا- معاديا للإسلام بالشكل الذي يؤدي إلى ضرر كبير، كما لو كان مرشحا تقليديًا لا يحمل عقيدة مناوئة للإسلام، أو كما لو كان مرشحا غير مسلم ولكنه يحرص على التفاهم مع المسلمين، والتعاون معهم وعدم معارضتهم في أمورهم الدينية الأساسية