السؤال:

قابلت مجموعة من الطلبة في مرحلة الدكتوراة لا يؤمنون بأن القرآن قد حفظ، كما تقول الآية الكريمة [إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون] ويقولون: قد يكون الذكر جزءًا من القرآن، وليس كله. ويستدلون بكلام لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بأنه أقسم على أن هناك آية في القرآن تتحدث عن الرجم –وهذه الآية غير موجودة- وأن غنمة أكلت ورقة من القرآن كانت بيد عائشة، رضي الله عنها.." فكيف يتم الرد عليهم؟.

الجواب:

في الجواب عن هذه الشبهة نسأل:
لماذا بعث الله، سبحانه وتعالى، الرسل، وأنزل الكتب؟..
لقد كان ذلك رعاية من الله لخلقه.. ولطفًا بهم. وحتى يكون حسابه لهم –كي لا يتساوى المحسن والمسيء- وجزاؤه إياهم على أفعالهم عدلاً إلهيًا خالصًا.. [وإن من أمة إلا خلا فيها نذير].. فاطر: 24. [وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً] –الإسراء: 15- [لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل] –النساء: 165-.
وقبل ختم النبوة والرسالة، كانت مهمة حفظ كتب الرسالات والشرائع موكولة إلى أمم هذه الرسالات، كجزء من التكليف لهم والاختبار لاستقامتهم في هذا التكليف [إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون] –المائدة: 44-..

لكنهم فرطوا في القيام بتكليف الحفظ للكتب –بالنسيان حينًا وبالتحريف والإخفاء حينًا آخر- [فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظًا مما ذكروا به، ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلاً منهم، فاعف عنهم واصفح، إن الله يحب المحسنين. ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون. يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم] –المائدة: 13-16-..
وعندما كانوا يحرفون هذه الكتب، أو ينسون بعضها ويخفون البعض الآخر، كان الله يبعث رسولاً جديدًا بكتاب جديد.
أما عندما أراد الله، سبحانه وتعالى –مع بلوغ الإنسانية سن الرشد- ختم النبوات والرسالات بنبوة ورسالة محمد، صلى الله عليه وسلم، فكان لا بد لحفظ كتاب الشريعة الخاتمة من حافظ لا يجوز عليه الإهمال، ولا يتأتى منه التحريف، ولا يليق به النسيان.. أي كان لا بد من الحفظ المعصوم الدائم للكتاب المعجز الخالد.. لأن ترك حفظ الكتاب الخاتم للبشر، الذين يجوز عليهم الإهمال والتحريف والنسيان معناه طروء وحدوث التحريف والضياع لهذا الكتاب، حيث لا وحي سيأتي ولا رسول سيبعث ولا كتاب سينزل.. الأمر الذي لو حدث –افتراضًا- سيضل الناس ولا رعاية لهم، ولا حجة عليهم، تجعل من حسابهم وجزائهم عدلاً إلهيًا مناسبًا..
ولذلك، انتقلت مهمة حفظ الوحي الخاتم –القرآن الكريم- في الرسالة الخاتمة، إلى الله، سبحانه وتعالى، الذي لا يتخلف حفظه أبدًا، بعد أن كانت هذه المهمة، في الرسالات السابقة، استحفاظًا من الله للناس، أي طلبًا منه لهم أن يحفظوا ما أنزل عليهم من الكتاب.. فكان الوعد الإلهي المؤكد [إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون] –الحجر: 9-..
ولذلك، هيأ الله لتدوين القرآن الكريم من كتبة الوحي ما لم يتهيأ لكتاب سابق.. وجعل جمعه وعدًا إلهيًا وإنجازًا ربانيًا [لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه] –القيامة: 16-19-..
فكان الحفظ للقرآن –كل القرآن- وعدًا إلهيًا، وإنجازًا ربانيًا، وذلك حتى تستمر حجة الله على عباده، ويكون حسابهم عدلاً خالصًا.
ولم يقل أحد، ولا جائز في العقل –فضلاً عن النقل- أن يقال: إن الذكر، الذي تعهد الله بحفظه، هو بعض القرآن، وليس كل القرآن.. لأن ضياع أي جزء من القرآن يعني تخلف رعاية الله لخلقه، وسقوط حجته على عباده..
ثم إن القرآن لا يقف بالحفظ عند ما يطلق عليه الذكر، فضلاً عن أن مصطلح الذكر إنما يشمل كل القرآن.. تشهد على ذلك الآيات الكثيرة في كتاب الله. فالمراد بالذكر القرآن.. كل القرآن.. والكتاب.. كل الكتاب –وليس بعضه- بدليل قول الله، سبحانه: [فاسألوا أهل الذكر] –الأنبياء: 7- أي أهل الكتب السابقة..
والله يشير إلى القرآن والتنزيل –أي كل ما نزل به الوحي- بلفظ الذكر [أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم] –الأعراف: 69-.. [وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) –الحجر: 6- [وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون] –النحل: 44- [وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون] –الأنبياء: 50- [إن هو إلا ذكر وقرآن مبين] –يس: 69- [وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون. وما هو إلا ذكر للعالمين] –القلم: 51، 52-.

ثم إن القرآن الكريم يؤكد أن الحفظ ونفي الشك والريبة إنما هو لكل القرآن ولجميع التنزيل، وليس لبعض القرآن [ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين] –البقرة: 2- [تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين] –السجدة: 2-.. [ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق] –البقرة: 176- [نزل عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه] –آل عمران: 3- [إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس] –النساء: 105- [وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه ومهيمنًا عليه] –المائدة: 48- [ما فرطنا في الكتاب من شيء] –الأنعام: 38-..

ولو ضاع شيء من هذا الكتاب –أي القرآن والتنزيل- لحدث التفريط الذي تنفيه هذه الآية، ولانتفت حجة الله على البشر [وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون. أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين. أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم، فقد جاءكم بينة من ربكم ورحمة] –الأنعام: 155-157..
فحجة الله على الناس –بعد ختم الوحي بالقرآن الكريم- تنتفي وتسقط إذا حدث جهل بشيء مما أنزل في الكتاب –القرآن- [وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم] –الحجر: 4-.. ولو أن القرآن ضاع منه شيء لتخلف وعد الله بتنزيل تبيان كل شيء فيه، لتتم شهادة الرسول، صلى الله عليه وسلم، على أمته [ويوم نبعث في كل أمة شهيدًا من أنفسهم وجئنا بك شهيدًا على هؤلاء، ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى وبشرى للمسلمين] –النحل: 89-..

وختم النبوة والرسالة، يعني انتفاء بعث رسول جديد، ونزول كتاب جديد.. وحتى تقوم حجة الله على عباده لا بد من بقاء القرآن كله محفوظًا، ليكون قيمًا على الناس، أي دائم القيام على هدايتهم وإرشادهم [الحمد لله الذين أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا. قيمًا لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا] –الكهف: 1، 2-.
وإذا كان الكتاب هو كل القرآن، فلقد وعد الله سبحانه بأن يحفظه ويورثه للذين اصطفاهم من عباده، بعد أن أنزله على المصطفى من رسله، وجمعه وقرأه [والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقًا لما بين يديه، إن الله بعباده لخبير بصير. ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير] –فاطر: 31، 32-
ومن صفات القرآن –كل القرآن- أنه كتاب عزيز، أي منيع، محفوظ من العبث به وفيه.. وأنه ممتنع عن الإبطال، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بأي حال من الأحوال [إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد] –فصلت: 41، 42-.. والذكر في هذه الآية هو كل الكتاب، العزيز على أي عبث به وفيه..
ومن صفات القرآن –كل القرآن- أنه كتاب عليّ حكيم، فوق تطاول المتطاولين، بشرًا كانوا أو أزمنة ودهورًا [إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون. وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم] –الزخرف: 3، 4-
ومن صفات القرآن –كل القرآن- أنه في كتاب مكون، أو مصون ومحفوظ عن اللعب والبعث والتحريف [إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون] –الواقعة: 77، 78-..
ولقد صدق التاريخ على هذا الحفظ الإلهي لهذا القرآن المجيد..

ومن يقرأ تاريخ التوراة –حتى ذلك الذي كتبه علماء اليهودية- يعلم ما أصابها بعد سنوات من نزولها.. وكيف أعيدت كتابة أسفارها على النحو الذي صنعه “عزرا” –”عزيز” –وغيره من الأحبار، في صورة مليئة بالتحريف..
ومن يتأمل تناقضات الأناجيل -حتى الشهيرة منها- والفروق الجوهرية بينها وبين غير الشهيرة –من مثل أناجيل “مخطوطات نجع حمادي”، و”مخطوطات البحر الميت” و”إنجيل برنابا” يعلم ما أصاب الإنجيل بعد سنوات معدودة من بعثة المسيح، عليه السلام..
لكن.. هاهو القرآن الكريم كما نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين، لم يتغير فيه حرف ولا رسم ولا حركة ولا غنة ولا مد –وقد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرنًا، مرت فيها أمته بأطوار من التراجع والانحطاط، وفقدت فيها الذاكرة الإسلامية ملايين المخطوطات التي أبادتها غزوات الطغاة- واندثرت فيها مذاهب وفلسفات.. وظل القرآن الكريم عزيزًا منيعًا محفوظًا بحفظ الله خير الحافظين.. فالتاريخ –هو الآخر- قد غدا شاهدًا على هذا الحفظ الإلهي لكل القرآن الكريم.
فبرهان العقل –المتعلق بختم الرسالة.. وختم الوحي- يجعل حفظ القرآن –كل القرآن- لإقامة الحجة على الناس- ضرورة عقلية..
وكذلك النقل المتكرر في القرآن –بلفظ القرآن.. والكتاب.. والتنزيل.. والذكر –شاهد هو الآخر على الحفظ الإلهي لكل حرف وكل كلمة وكل آية وكل سورة من هذا القرآن الكريم.. فهو وحي الله الخاتم.. تعهد، سبحانه وتعالى، بجمعه وقرآنه وحفظه، حجة خالدة، كي لا يكون للناس على الله حجة إذا ما ضاع شيء من هذا التنزيل العزيز المنيع الحكيم..
* * *
أما بعض المرويات التي يفهم منها البعض شكًا في حفظ كل ما نزل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من القرآن.. فإن منطق العقل، ومنهاج البحث العلمي، وقواعد نقد النصوص والمرويات، التي اتفق عليها العلماء والعقلاء من كل الحضارات والفلسفات والأنساق الفكرية.. كلها تؤكد على ضرورة الموازنة بين المتعارض والمتناقض من الروايات.. والأخذ بالمصدر الأوثق عند تعذر الجمع بين المرويات.. فإذا كان لدينا –على نحو ما قدمنا- شهادة العقل الصريح على أن حفظ القرآن –كل القرآن- هو ضرورة عقلية، تقتضيها حقيقة ختم النبوة والرسالة واكتمال الوحي.. وإذا كانت شهادة العقل الصريح هذه مدعومة بنصوص آيات القرآن الكريم، أي بالمصدر المعجز، قطعي الدلالة والثبوت.. فهل يكون عاقلاً من يترك شهادة العقل الصريح، والنقل المعجز الصحيح، ويلتفت إلى رواية من الروايات، يعلم الله من رواها؟ ولماذا رواها؟..
إن منطق البحث العلمي، الذي أجمع عليه كل عقلاء الدنيا، في التعامل مع النصوص، قد حسم هذه القضية.. التي نرجو أن تكون هذه الإجابة حاسمة للشبهة المثارة حولها..
والله من وراء القصد، منه نلتمس الهداية والحكمة والرشاد.