السؤال:

رجل يمتلك عمارة مكونة من عشرين شقة، وقد قام بتحرير عقود إيجار لبعض الناس، منهم العاملون بالخارج ومنهم من استأجر شقة انتظارًا لكبر أبنائه ليزوجهم فيها، ومنهم من يسكن فى شقة، ولرخص إيجار الشقة عند السائل فضل السكنى عنده، ومن المستأجرين المتزوجون الذين لم يدخلوا بعد بزوجاتهم، ولم يجدوا مسكنًا، وهؤلاء كثيرون .‏ فأى فئة من تلك الفئات تستحق السكنى فى عمارته وهل لو ألغى بعض هذه العقود يعتبر مخالفًا للشرع .‏

الجواب:

قال الله سبحانه وتعالى فى افتتاح سورة المائدة {‏ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود }‏ والعقود جمع عقد، ومعناه فى الأصل ضد الحل لأنه الجمع بين أطراف الشىء وربط بعضها ببعض .‏
وأصل استعماله فى الأجسام، كعقد الحبل وعقد البناء، ثم استعير لعقد المعانى، فيقال عقد البيع، وعقد الرهن، وعقد الزواج وكل ما كان عقدًا بين طرفين، والوفاء والإيفاء هو الإتيان بالشىء تاما وافيا لا نقص فيه .‏
ومن ثم يكون معنى هذه الفقرة من الآية (‏والله أعلم)‏ إن الله قد أمر المؤمنين بأن يوفوا بما يتعاقدون عليه فيما بينهم، وبعقودهم أو عهودهم مع الله سبحانه بالوفاء بعبادته والالتزام بأوامره ونواهيه .‏
والإجارة عقد يفيد تمليك المنافع بالعوض، وقد اتفق الفقهاء على جوازها شرعا وعلى أن من شروط صحتها أن تكون المنفعة والعوض معلومين .‏
وقد يكون محلها منفعة أشياء، كمنافع الدور والثياب والحيوان وقد يكون منفعة أعمال وهى ما يقوم به العمال من الأعمال التى تطلب منهم بعقد إجارة، كالخياطة والصياغة والصناعة والنجارة والبناء والنقل ونحو ذلك، ولما كان محل الإجارة المنافع كان الواجب عند انعقادها تسليم والعين المؤجرة إلى من استأجرها استيفاء لحقه، وتنعقد الإجارة بالإيجاب والقبول .‏
ومتى انعقدت صحيحة مستوفية أركانها وشروطها كانت عقدا لازما باتفاق جمهرة فقهاء المذاهب لم يخالف فى هذا غير البعض، منهم الأباضية وشريح .‏
ومتى كانت لازمة لم يجز لأحد طرفى العقد أن يستبد بفسخه، وإنما يكون فسخ عقد الإجارة باتفاق طرفيها ما لم يوجد عذر أو سبب شرعى يستتبع الفسخ، نص على هذا فقهاء المذهب الحنفى، وقال فقهاء المالكية إنها عقد لازم، سواء كانت منجزة أو مضافة .‏
ويرى فقهاء الشافعية أنها عقد لازم كذلك فلا يستقل أحد العاقدين بفسخها، وجرى فقه الإمام أحمد بأنها عقد لازم كالبيع وليس لأحد طرفيها فسخها سواء بعذر أو دون عذر .‏
ويرى فقهاء مذاهب الأئمة أبى حنيفة ومالك وأحمد جواز إضافة الإجارة إلى زمن مستقبل، فإذا أضيف العقد إلى زمن معين ابتدأ بحلوله، ومنع فقه الإمام الشافعى إضافة عقد إجارة منافع الأعيان إلى زمن مستقبل، ويتفق الفقه بوجه عام على أنه يترتب على استئجار العين المعينة وجوب تسليمها إلى مستأجرها عقب العقد أو عند ابتدائه عند من يجيزون إضافة الإجارة إلى زمن مستقبل .‏

لما كان ذلك وكان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء به (‏ صحيح الترمذى ج -‏ ‏7 ص ‏103 و ‏104 فى الصلح )‏ (‏ والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا)‏ كانت عقود إجارة هذا العقار التى تمت بين مالكها الطالب وبين أولئك المستأجرين لازمة، إما فى الحال إذا كان العقد غير مضاف إلى زمن مستقبل، وإما من التاريخ الذى أضيف إليه العقد، ولا محل للمفاضلة بين المستأجرين إذا كانت عقود الإجارة قد انعقدت مستوفية أركانها وشروطها الشرعية، ولا يحق فسخها أو أى واحد منها بمعرفة المؤجر المالك وحده، وأى إلغاء لعقد من تلك العقود دون مبرر يقره الشرع يكون مخالفا لنصوص القرآن والسنة سالفة البيان .‏
والله سبحانه وتعالى أعلم .‏