السؤال:

يُتهم بعض الدعاة إلى الإسلام أحياناً بأنهم أنصار للجمود والتشدد، ومعاداة أي تجديد . . فهل يرتبط هذا بحقيقة واقعة، أم أنه يرتبط برغبة أخرى خفية؟ وهل لنا أن نتعرف على الموقف الصحيح للدعاة من قضية التجديد؟

الجواب:

ينقسم الناس بشأن التجديد إلى أصناف ثلاثة:
(1) أعداء التجديد الذين يريدون أن يبقى كل قديم على قدمه، حكمتهم المأثورة: ما ترك الأول للآخر شيئاً! وشعارهم المرفوع: ليس في الإمكان أبدع مما كان!
وهم بجمودهم يقفون في وجه أي تجديد: في العلم، في الفكر، في الأدب، في الحياة، فما بالك بالدين ؟ ! إن مجرد كلمة ( التجديد ) بالنسبة للدين يعتبرونها هرطقة.
وفى مجال الدين وجدت فئتان ينتهي موقفهما إلى ” تجميد الإسلام ” تحدثت عنهما في بعض ما كتبته في مجلة ( الأمة ) بمناسبة القرن الخامس عشر، وهما: فئة ( مقلدي المذاهب ) المتعصبين لها، الذين يرفضون أي خروج عليها، ولا يعترفون بحق الاجتهاد لفرد ولا لجماعة في هذا العصر، إلا في إطار ما قررته مذاهبهم وحدها، بل في حدود ما حرره المتأخرون من علماء المذهب، وأفتوا به. فلا يجوز الخروج عن الرأي المفتى به في المذهب، إلى أقوال وآراء أخرى داخل المذهب نفسه!
والفئة الأخرى هي التي سميتها ” الظاهرية الجدد ” وأعني بهم الحرفيين الذين يقفون جامدين عند ظواهر النصوص، ولا يمعنون النظر إلى مقاصدها، ولا يفهمون الجزئيات في ضوء الكليات، ولا غرو أن تراهم يقيمون معارك حامية من أجل أمور هامشية في الدين، وهؤلاء وأولئك قوم مخلصون للإسلام، ولكنهم معه كالأم التي تسببت في موت وليدها بحبسه والإغلاق عليه خوفاً عليه من مس الشمس ولفح الهواء!

(2) ويقابل هؤلاء: الغلاة في التجديد، الذين يريدون أن ينسفوا كل قديم، وإن كان هو أساس هوية المجتمع، ومبرر وجوده، وسر بقائه، كأنما يريدون أن يحذفوا ” أمس ” من الزمن، ويحذفوا ” الفعل الماضي ” من اللغة، ويحذفوا: ” علم التاريخ ” من علوم الإنسان!
وتجديد هؤلاء هو التغريب بعينه، إن قديم الغرب عندهم جديد، فهم يدعون إلى اقتباسه بخيره وشره، وحلوه ومره. وهؤلاء هم الذين سخر منهم الرافعي رحمه الله حين دخل معركته معهم ( تحت راية القرآن ) وقال: إنهم يريدون أن يجددوا الدين واللغة والشمس والقمر!
ورد عليهم شاعر الإسلام محمد إقبال بأن ” الكعبة لا تجدد بجلب حجارة لها من أوربا “! وأشار إليهم أحمد شوقي – أمير الشعراء – في قصيدته عن الأزهر:

ولو استطاعوا في المجامع أنكروا
من مات من آبائهم أو عُمِّرا ‍
من كل ساع في القديم وهدمه
وإذا تقدم للبناية قصَّراً

وهذا الصنف والذي قبله هما اللذان شكا منهما الأمير شكيب أرسلان حين قال في كتابه: ( لماذا تأخر المسلمون؟ ) إنما ضاع الدين بين جامد وجاحد، ذلك ينفر الناس منه بجموده، وهذا يضلهم عنه بجحوده.

(3) وبين هذين الصنفين يبرز صنف وسط، يرفض جمود الأولين، وجحود الآخرين، يلتمس الحكمة من أي وعاء خرجت، ويقبل التجديد، بل يدعو إليه، وينادي به، على أن يكون تجديداً في ظل الأصالة الإسلامية، يفرق بين ما يجوز اقتباسه، وما لا يجوز، ويميز بين ما يلائم وما لا يلائم.
إنه يدعو إلى أخذ العلم المادي والتقني بكل ما يستطيعه مما تحتاج الأمة إليه، بشرط أن نهضم التكنولوجيا وننشئها، لا أن نشتريها ونظل غرباء عنها!
وهذا هو موقف دعاة الإسلام الحقيقيين: إن شعارهم: الجمع بين القديم النافع والجديد الصالح. الانفتاح على العالم دون الذوبان فيه . . الثبات على الأهداف والمرونة في الوسائل . . التشديد في الأصول والتيسير في الفروع .