السؤال:

كثُر السّؤال عن حكم قضاء ما فاتَ الأموات من واجبات، وهل ينتفعون بما يُهدَى إليهم من قُرُبات؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فديون العباد تقضى عن الميت بالإجماع، وأما حقوق الله تعالى ففيها تفصيل : فالصلاة لا تقضى عنه، والزكاة كذلك على الصحيح، والصيام يقضى عنه أيضا عند الشافعية والحنابلة،بينما قال الأحناف والمالكية بأنه يقضى بالإطعام عن الميت .

يقول الشيخ عطية صقر ، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر ؛ الأسبق ـ رحمه الله ـ :

الواجبات التي لم يؤدِّها الميت ديُون عليه، وهي نوعان:

ديون للعباد، وديون لله، فأمّا ديون العِباد فالإجماع على مشروعيّة قضاء الحي لها عن الميت، والأخبار الصحيحة كثيرة في خطورة الدَّين وأثره على الميت، وقد كان النبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ إذا جاءت جنازة ليصلِّي عليها سأل: هل عليه دَين أم لا، فإن كان عليه دَين لم يصلِّ عليه. وجاء الخبر بأن رحمة الله معلَّقة عن الميت حتى يُقضى عنه دينه وسيجيء قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن سألته عن قضاء الحج عن أمها: “أرأيتَ لو كان على أمِّك دين أكُنْتِ قاضيتَه” ؟ رواه البخاري.

وأما حقوق الله كالعبادات فإليك بعض ما ورد فيها من نصوص وما فهمه العلماء منها:

(أ) الصّلاة:

الصلاة عبادة بدنيّة مَحضة، لم يرد نصٌّ خاص عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بجواز قضائها عن الميت ، والوارد هو عن بعض الصحابة، فقد روى البخاري أن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أمرَ امرأة جعلت أمُّها على نفسها صلاة بقِباء ـ يعني ثم ماتتْ ـ فقال: صلِّي عنها. وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح أن امرأة قالت لابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن أمّها نذرَتْ مَشيًا إلى مسجد قباء ، أي للصلاة، فأفتى ابنتَها أن تمشيَ لها. وأخرجه ملك في الموطأ أيضا.

والصلاة المُرادة هنا صلاة نفل نذر أداؤها في قباء فوجبت ولزِمت، ومن هنا رأى بعض العلماء جواز قضاء الصلاة عن الميّت، سواء أكانت مفروضة أصلاً أم منذورة، لكن الجمهور قال بعدم جواز قضاء المفروضة. ونقل ابن بطّال الإجماع على ذلك، ومع عدم التسليم بهذا الإجماع، فإن الجمهور ردّ استدلال القول المُجيز للقضاء بأن النقل عن ابن عمر وابن عباس مختلف، فقد جاء في الموطأ مالك أنّه بلغه أن عبد الله بن عمر ـ كان يقول: لا يصلِّي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، وأخرج النسائي عن ابن عباس مثل ذلك القول. ولكن لعلّ المنع في حق غير المنذورة.

وقال الحافظ: يمكن الجمع بين النّقلين بجعل جواز القضاء في حقِّ من مات وجعل النّفي في حق الحي (نيل الأوطار ج 9 ص 155) وبهذا يُعْلم أن ما يعملُه بعض الناس ممّا يُسمَّى بإسقاط الصلاة عن الميِّت غير مشروع، والواقع أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ جعل أداء الصلاة من اليُسر بحيث تصح بأيّة كيفيّة من الكيفيّات عند العَجز، حتّى إنه لم يُسقطها عن المجاهد وهو في ساحة القِتال أثناء المعركة، وعن المقيّد بالأغلال واكتفى بما يُستطاع ولو بالإيماءِ، فقول الجمهور بعدم جواز قضائِها عن الميت هو المختار للفتوى، ولا يصحُّ غيره، حتى لا يكون هناك تهاونًا بعمود الدِّين.

(ب) الصيام :

الصيام عبادة بدنيّة أيضًا إذا تركه الميِّت، وكان قادِرًا على أدائه، جاء فيه قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : “من مات وعليه صِيام صام عنه وليُّه” رواه البخاري ومسلم . وروى أحمد وأصحاب السُّنن أن رجلاً جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله، أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأَقضيه عنها؟ قال: “نعم فدَين الله أحقُّ أن يُقضَى” وبناء على هذا قال الشافعيّة والحنابلة بجواز قضاء الصوم الولي، بل قالوا باستحبابه، وبجوازه من الأجنبي إن أذِنَ الولي، لكن الأحناف والمالكيّة قالوا: إن وليّه لا يصوم عنه، بل يُطعِم مُدَّا عن كل يوم. وحجّتهم أن الصيام عبادة بدنيّة كالصلاة لا تقبل النّيابة، لكن النووي في جواز القضاء: إنه هو الصحيح المختار والنصوص تشهَد له.

(جـ) الزّكاة:

الزكاة، ويطلَق عليها اسم الصّدقة أحيانًا، عبادة ماليّة مَحضة، فيها حقّ لله وحق للعباد، وقضاؤها عن الميّت قضاء لدَين الله ودين العباد، والقول بجواز ذلك لا ينبغي الخلاف فيه، وتقدم أن دين العباد مفروغ من جواز قضائه، وحقّ الله أولى أن يُقضَى. وروى مسلم وغيره أن رجلاً قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن أبي مات وترك مالاً ولم يُوصِ، فهل يُكَفِّر عنه أن أتصدّق عنه؟ قال: (نعم) والتعبير بقوله : “فهل يكفَّر عنه” يُفيد أن ما فات الميّت كان واجبًا عليه، إما زكاة وإما صدقة منذورة، وروى البخاري ومسلم أنّ رجلاً قال للنبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ : إن أمِّي افتلتت نفسها ـ ماتتْ فجأة ـ وأراها لو تكلّمت تصدّقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: (نعم). وقد ذهب الجمهور إلى أن من مات وعليه نذر مالي يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لم يُوصِ. إلا إذا وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث. وشرط المالكيّة والحنفيّة أن يُوصى بذلك. “نيل الأوطار ج 8 ص 156”.

(د) الحج:

الحجُّ عبادة بدنيّة وماليّة معًا، ورد في قضائه حديث البخاري أن امرأة من جُهينة جاءت إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت: إن أمّي نذرت أن تحجَّ فلم تحجّ حتى ماتت، أفأحُجّ عنها؟ قال: (حُجِّي عَنْها، أرأيت لو كان على أمِّك دَين أكنتِ قاضيتَه؟ اقضوا فالله أحقُّ بالقضاء). وإذا كان الحج المنذور يجب قضاؤه عن الميّت فالحج الواجب أصلاً على المستطيع الذي لم يقُم به يكون قضاؤه واجِبًا . ووجوب القضاء عنه لا يحتاج إلى وصيّته بذلك ويجب إخراج الأُجرة من رأس المال، وهذا هو قول الجمهور، تغليبًا للجانب المالي فيه كالزكاة والكفّارة ونحوهما، وقال مالك: يُشترَط أن يُوصيَ الميِّتُ بذلك، وإذا أوصَى حجّ عنه من الثلث.

والله أعلم.