السؤال:

ضمنا مجلس مع بعض الأصدقاء، تناقشنا فيه في بعض أمور الحياة، وموقف الدين منها، ومنها: قوانين المرور التي تنظم السير، لأصحاب السيارات والمركبات، وللمشاة أيضًا، وتضع قواعد وآدابًا يجب الالتزام بها، للحفاظ على أرواح الناس وأموالهم. قال بعضنا: إن احترام قوانين المرور ونظم السير واجب شرعًا، ولا يجوز مخالفها، ومن خالفها فهو آثم. وقال آخرون: إن هذه قوانين وضعية، صنعها البشر لأنفسهم، والالتزام بها ليس واجبًا شرعيًا. ورأينا أن نحتكم إلى سماحتكم، لتفصلوا بين الفريقين بحكم الشرع الموثق بالأدلة المعتبرة لدى الفقهاء. وفقكم الله ونفع بكم.

الجواب:

الحمد لله؛ والصلاة والسلام على رسول الله
لا نزاع في أن قوانين المرور وتنظيم السير في الطرقات العامة (قوانين وضعية) صنعها البشر لأنفسهم، وفق حاجاتهم المتطورة، لتحقيق صالح يبتغونها، ودرء مفاسد يخافونها. ولم يكن الناس قديمًا في حاجة إلى هذه القوانين حينما كانوا يركبون البغال والحمير والجمال، فما كانوا يخافون أن يصدم بعضها بعضًا، كما في عصر السيارات والقطارات والمركبات الحديدية.
وبعض هذه القوانين يقوم على نصوص شرعية مثل دفع الدية لأهل المقتول خطأ، كما قال تعالى: “ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا… وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة” النساء: .
وبعضها مبني على أساس رعاية مقاصد الشرع من الخلق، وأعلاها: حفظ الضروريات الخمس، وهي: الدين والنفس والنسل والعقل والمال. وفي رعاية قواعد المرور والسير حفظ للنفس والمال من غير شك، بل قد يكون فيها حفظ للنسل وللعقل بوجه من الوجوه أيضًا.
وبعض هذه القوانين مبني على قاعدة (المصالح المرسلة) وقاعدة (سد الذرائع).
والمصلحة المرسلة هي التي لم يأت من الشرع نص خاص باعتبارها ولا بإلغائها، وتعتبر دليلاً شرعيًا إذا كانت من جنس المصالح التي يراعيها الشرع، بحيث إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، وأن تكون مصلحة حقيقة لا وهمية، وألا تصادم نصًا شرعيًا ولا قاعدة شرعية.
وذلك مثل تحديد السرعة في شارع معين بثلاثين ميلاً في الساعة، وآخر بخمسين، بناء على اعتبارات مصلحية معقولة، ومثل وجوب الوقوف عند احمرار الإشارة حتى تخضر، ووجوب الحذر والتوقف عند الخروج من شارع فرعي إلى شارع رئيسي، ومثل: من له الحق عند الدواران في الطريق، ومثل ضرورة إضاءة النور بالليل، وإلى أي مدى.. الخ.
فهذه القوانين وما ماثلها وضعت لمصلحة الناس، ولحماية حياتهم وممتلكاتهم، فهذه القواعد والضوابط تحد من حريتهم، ولكنها وضعت لأجل مصلحتهم، وإنما تستقيم الحياة الاجتماعية إذا تنازل كل فرد عن شيء من حريته لمصلحته ولمصلحة الآخرين.
وكل قوانين السير والمرور مؤسسة على هذا الاعتبار الشرعي: جلب المصلحة ودرء المفسدة. فلا يسمح القانون لأحد أن يسوق سيارة إلا برخصة من الجهة المختصة، بعد إجراء اختبار معين، يثبت نجاحه فيه. ولولا ذلك لرأينا كل من هب ودب يقود السيارة وهو لا يحسن أن يمسك بزمامها والتحكم في عجلة قيادتها، فيدوس الناس ويقتل ويحطم، فسدًا لأبواب هذا الفساد اشترط الحصول على الرخصة، ومثل ذلك اشتراط التأمين الإجباري للسيارة، حتى إذا أخطأ وأصاب سيارة أخرى أو راكبًا آخر أو ماشيًا في الطريق، استطاع –بواسطة التأمين- أن يدفع ما يفرض عليه لتعويض السيارة أو تعويض الشخص المصاب، أو دفع الدية لأهله إذا مات.
ومن هنا نقول بكل طمأنينة: إن رعاية قواعد المرور واحترام قوانينه: أمر واجب شرعًا، لأنه يقوم على تحقيق المصالح ودفع المفاسد.
وإذا صدر به أمر أو نظام أو قانون من ولي الأمر الشرعي أصبح واجب الطاعة، لأنه يدخل في دائرة (الطاعة في المعروف) وهي واجبة لأهلها. وقد قال تعالى: “يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” النساء: 59.
وقال صلى الله عليه وسلم: “حق على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة” متفق عليه عن ابن عمر.
وهذه القوانين تتمشى مع الاتجاه العام في الشرع، حيث نجد النصوص تخص على رعاية آداب المشي في الطريق، كما قال تعالى: “وعباد الرحمن الذين يشمون على الأرض هونًا” الفرقان: 63. وقال تعالى: “واقصد في مشيك” لقمان: 19. والقصد في المشي، يعني أحد أمرين: “أن يكون لمشيك قصد وهدف، ولو كان مجرد الحركة والنزهة، أو أن تكون معتدلاً في مشيك لا متباطئًا متماوتًا، ولا شديد السرعة كالحمقى.
وقال تعالى: “ولا تمشي في الأرض مرحًا، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا” الإسراء: 37.
وهذا كله يؤكد وجوب مراعاة قواعد السير وآداب المرور، والآداب العامة للطريق.
وبالله التوفيق