السؤال:

هل يجوز للزوجة إذا أرادت الطلاق - نتيجة الإيذاء البالغ من زوجها- أن تذهب إلى بيت أهلها أم يجب عليها المكوث مع زوجها رغم ما تعانيه منه

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله محمد
الشقاق بين الزوجين شيء مقيت وكريه وغير مرغوب فيه شرعًا لأنه يقوض دعائم الأسرة ويزعزع استقرارها ويعرض الحياة الزوجية للخطر والانتهاء؛فكيف عالجت الشريعة الإسلامية موضوع الشقاق بين الزوجين وهل اكتفت بما شرعته الآية الكريمة في قوله تعالى: “وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما إن الله كان عليمًا خبيرا” أم أن الشريعة الإسلامية ذهبت في علاج الشقاق إلى مدى أبعد؟
والجواب: إن الشريعة الإسلامية عالجت الشقاق قبل وقوعه بمعالجة أسبابه والقضاء عليها.
فمن أسبابه. تعدى كل من الزوجين على حقوق الآخر. أو كراهة أحدهما للآخر. أو تشدد المرأة في استيفاء كامل حقوقها من الزوج دون مراعاة ما قد يطرأ على نفسه من تغيرات.
سبل الوقاية من الشقاق:
أولاً: تعريف الزوجين بحقوقهما:
بينت الشريعة الإسلامية أن الحقوق بين الزوجين متقابلة وعلى كل طرف أن يراعي حقوق الطرف الآخر.
قال تعالى: “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة” [البقرة: 2280] فلا يجوز لكل منهما التأكيد على حقوقه فقط ومطالبة الآخر بإيفائها له كاملة غير منقوصة وعدم التفريط بها ولكنه يهمل حقوق صاحبه ولا يهتم بها ولا يقوم بها ولا شك أن هذا الصنع من الزوجين يساعد على بذر الشقاق بينهما.

قال تعالى: “وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يُصلحا بينهما صلحًا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا”. وفي تفسير هذه الآية: فإذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة وأن تؤدي هذه الجفوة إلى الطلاق – وهو أبغض الحلال- أو إلى الإعراض الذي يتركها كالمعلقة لا هي زوجة ولا هي مطلقة.
فليس هناك حرج عليها ولا على زوجها أن تنازل له عن شيء من فرائضها المالية أو فرائضها الحيوية. كأن تترك له جزءًا أو كلاً من نفقتها الواجبة عليه أو أن تترك له قسمتها وليلتها إن كانت له زوجة أخرى يؤثرها.
وهذا كله يكون بكامل اختيارها وتقديرها لجميع ظروفها أن ذلك خير لها وأكرم من طلاقها. والله سبحانه وتعالى يعقب بأن الصلح إطلاقًا خير من الشقاق والجفوة والنشوز والطلاق.
“وإذا نشزت الزوجة بأن خرجت عن طاعته ولم تؤد حقوقه مما يؤدي إلى الخلاف والشقاق فعلى الزوج أن يسعى بجد ورغبة في إصلاح حال زوجته وله الحق في تأديبها وهو مستند في هذا الحق إلى أدلة منها:

قال تعالى: “واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليًا كبيرا”.
فللزوج حق تأديب زوجته إذ قصرت في حق الله أو قصرت في حقوقه ووسائل التأديب هي: الوعظ، الهجر في المضاجع الضرب والدليل الشرعي لشروعية هذه الوسائل هي نص الآية. ويجب على الزوج التدرج في استعمال وسائل التأديب فيبدأ بوعظ زوجته فإن لم ينفع معها الوعظ تحول إلى الوسيلة الأخرى وهي هجرها فإن لم ينفع تحول إلى الضرب.
وبهذا التدرج قال المفسرون والفقهاء.
ومن أقوال المفسرين في التدرج في التأديب:
أولاً: قال الإمام الرازي في “تفسيره : “الذي يدل عليه نص الآية أنه تعالى ابدأ بالوعظ ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع ثم ترقى منه إلى الضرب وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض الطريق الأخف وجب الاكتفاء به ولم يجز الأقدام على الطريق الأشق” (تفسير الرازي ج1 ص90).
ثانيًا: قال الإمام القرطبي في تفسيره “أحكام القرآن: أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولاً ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب فإنه هو الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه” (تفسير القرطبي “أحكام القرآن ج5 ص172″ ومثله في تفسير الزمخشري ج1 ص507”
ومن أقوال الفقهاء في التدرج في التأديب:
أولاً: قال الأمام الخرقي الحنبلي: “وإذا ظهر منها ما يخاف نشوزها – أي معصية الزوج فيما فرض الله عليها من طاعته – وعظها فإن أظهرت نشوزًا هجرها فإن اردعا وإلا فله أن يضربها ضربًا لا يكون مبرحًا” (المغني لابن قدامة الحنبلي ج7ص46).
ثانيًا: وقال الأمام علاء الدين الكاساني الحنفي وهو يعدد حقوق الزوج على زوجته: “ومنها ولاية التأديب للزوج إذا لم تطعه فيما يلزم طاعته بأن كانت ناشزة فله أن يؤدبها لكن على الترتيب فيعظها أولاً على الرفق واللين.. فلعلها تقبل الموعظة فتترك النشوز.. وإلا هجرها.. فإن تركت النشوز وإلا ضربها..) (البدائع ج2 ص334).
وبناء على كل ماسبق نقول للسائل إن الأفضل للزوجة ألا تبرح بيت الزوجية حتى تستنفذ كل طرق العلاج حتى إذا يئست من زوجهاومن إصلاحه فساعتهايجوز لها أن تترك بيتها وتذهب لتطلب الطلاق من زوجها والله أعلم